عندما سحقت ديمقراطية أردوغان علمانية أتاتورك -- محمد قاسم

الاثنين، 31 ديسمبر، 2007

صحيفة الأهرام المصريه الاثنين 22 ذى الحجه 1428 هـ 31 ديسمبر 2007 م

عندما سحقت ديمقراطية أردوغان علمانية أتاتورك
بقلم: محمد قاسم

mohamedredakassem@yahoo.com
لا يملك من تابع الأزمة السياسية الطاحنة التي كادت تعصف بتركيا خلال العام الماضي إلا ن ينبهر أو علي الأقل يعجب بذكاء القادة السياسيين في تركيا وعلي رأسهم رجب طيب أردوغان الذي دخل في معركة مع جيش بأكمله هو والرئيس عبدالله جول وخرجا منتصرين بتنصيب الأخير رئيسا لتركيا العلمانية‏.‏
فخلال عام‏2007‏ وقبل انتهاء فترة ولاية الرئيس أحمد نجدت سيزار أقدم أردوغان‏,‏ زعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم‏,‏ علي ترشيح نفسه رئيسا للجمهورية لكنه سرعان ما تراجع أمام رفض الجيش والمعارضة والرئيس سيزار ورشح جول رئيس خارجيته وقتها للمنصب‏.‏
وجاء ترشيح جول كأول خطوة ذكية اتخذها أردوغان نظرا لشعبيته الداخلية وجهوده في مفاوضات انضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي‏,‏ فضلا عن كونه وزير خارجية مخضرما نجح في اعادة البلاد الي دورها الريادي بالمنطقة ورئيس وزراء سابق يحظي بتأييد اقليمي ودولي‏.‏
لكن الجيش الذي يسمي نفسه حامي علمانية مصطفي كمال اتاتورك اعترض علي ترشيح جول لما له من توجهات اسلامية سابقة آخذا في الحسبان أنه بسيطرة أردوغان علي الحكومة وبدخول جول قصر الرئاسة فإن تركيا بالتأكيد قد تتفلت من قبضة المؤسسة العسكرية القوية والتي أسقطت اربع حكومات تركيا علي مدي الخمسين عاما الماضية بدعوي الحفاظ علي الهوية العلمانية لتركيا‏.‏
وزادت أحزاب المعارضة داخل البرلمان من حدة الأزمة‏,‏ وتعهدت بعدم منح مرشح الحزب اغلبية الثلثين اللازمة لإنتخاب الرئيس وفقا للدستور‏,‏ وذلك وسط مظاهر حاشدة هي الاكبر في تاريخ تاركيا تندد بترشيح جول وتطالب بالحفاظ علي علمانية الدولة‏.‏
وبدلا من الدخول في مواجهة مفتوحة مع الجيش والمعارضة التي تدور في فلكه اتخذ أردوغان خطوة ذكية بالدعوة إلي اجراء انتخابات برلمانية مبكرة بعد أن تأكد من فوز حزبه فيها مستندا الي الإنجازات الكبيرة التي حققها العدالة والتنمية علي مدي سنوات حكمه‏.‏
وعقب فوزه المتوقع بأغلبية المقاعد في البرلمان وانتخاب جول رئيسا لم يكن امام قادة الجيش سوي الجز علي أسنانهم‏,‏ لا سيما وان الحكومة التي يتولي أردوغان رئاستها عام‏2002‏ في اعقاب انهيار الاقتصاد التركي لأدني مستوياته منذ الحرب العالمية الثانية‏,‏ حققت طفرة اقتصادية معقدة لم يكن الجيش ليتحمل مسئولية تدميرها أمام الشعب إذا ما اسقط الحكومة المنتخبة لتوها فقط لتوجهاتها الإسلامية‏.‏
كما أن اسقاط مثل هذه الحكومة التي أتت بها الديمقراطية بالتأكيد سيطيح بآمال تركيا في الانضمام للاتحاد الأوروبي والذي سيرفض جميع قادته المعارض أغلبهم أصلا لانضمام دولة اسلامية لتحالفهم‏,‏ انضمام دولة صعدت حكومتها الي السلطة بانقلاب عسكري‏.‏
وبعد دخول جول الي قصر الرئاسة الذي ينظر اليه علي انه معقل العلمانية الحصين في تركيا‏,‏ كان لابد لأدوغان وجول أن يمتصا غضب قادة الجيش الذين رفضوا مصافحة الرئيس الجديد وتحيته في أكثر من مناسبة‏,‏ بالرغم من تحاشيه ظهور زوجته المحجبة معه في هذه المناسبات‏.‏
ولم يجد الزعيمان فرصة أسنح من تصعيد الهجمات ضد حزب العمال الكردستاني الذي يطمح في الانفصال عن تركيا ويكبدها خسائر جسيمة منذ اتجاهه للقتال المسلح علي مدي نحو ربع قرن‏.‏ وكانت موافقة البرلمان الذي يسيطر عليه رئيس الوزراء والرئيس علي اطلاق يد الجيش للقضاء علي المتمردين الاكراد‏,‏ وان كانت استجابة لمطلب شعبي‏,‏ محاولة ناحجة من جانبهما لتزحيف حدة استياء المؤسسة العسكرية ازاء دخول خير النساء قصر ظل محظورا علي المحجبات منذ‏1923.‏
وبعد منح الجيش الضوء الأخضر لاجتياح شمال العراق انخرط أردوغان ومعه حليفه الوثيق جول في حملة محمومة لحشد الدعم الدولي للعمليات العسكرية ضد الاكراد‏,‏ تمخضت عن مساندة تامة من جانب الرئيس الأمريكي جورج بوش ومباركة الاتحاد الأوروبي الذي أقر بحق تركيا في سحق المتمردين الأكراد‏.‏
وبالرغم من أن العمليات العسكرية ضد الأكراد لم ترد للجيش بعد هيبته التي اهتزت خلال الأزمة الانتخابية إلا أنها بالتأكيد حولت انتباه قادته العسكريين بعيدا عن الرئيس ورئيس الوزراء الذي وصف الكاتب التركي الحائز علي جائزة نوبل للأدب أورهان باموق حزبهما بأنه أكثر ديمقراطية من علمانية تركيا‏.

الحقائق الغائبة فى ملف القرصاية -- فهمي هويدي

السبت، 29 ديسمبر، 2007


صحيفة الدستور المصرية السبت 20 ذى الحجة 1428 هـ 29 ديسمبر 2007 م
الحقائق الغائبة فى ملف القرصاية
فهمي هويدي

أدعو إلى تشكيل لجنة لتقصى حقائق ماجرى فى جزيره القرصاية ذلك أنه لا يعقل أن يعيش خمسة ألاف مواطن مصري على الأقل فى رعب دائم منذ أربعة أشهرعلى الأقل دون أن يفهموا شيئا من خلفيات الكابوس الذى أفسد عليهم حياتهم .
فهم لا يعرفون ما الذى يراد بهم بالضبط ؟ ولا ماهى القوة الجبارة التى انقضت على الجزيره فجأه واحتلت بعض بيوتها شاهرة سلاحها فى وجوه المواطنين العزل ؟ ولا ما الذى تريده تلك القوة بالمرابطة فى قلب الجزيرة ؟ ومن هم أصحاب المصالح الذين دفعوا تلك القوة المسلحة الى اختراق الجزيره وترويع أهلها ؟ ولماذا اللجوء لخداع الناس واستدراج 11 منهم بحجة حل مشكلاتهم ثم اتهامهم بقلب نظام الحكم لتحطيم معنوياتهم ثم مساومتهم على اطلاق سراحهم إذا ما وقعوا تنازلات عن أراضيهم؟.
لقد عرضت من قبل بعضا من وقائع عملية اجتياح الجزيرة التى تضمنت مشاهد غير قابلة للتصديق جاءت أقرب إلى سلوك عصابات المافيا منها إلى سلوكيات الدولة المتحضرة التى يسودها القانون وتحترم فيها كرامة البشر وحرماتهم .
ومازلت أتلقى كل يوم تفاصيل من أهالى القرية تسلط مزيدا من الضوء على معاناتهم وتثير مالا حصر له من الاسئله حول مصيرهم الذى باتوا يرونه مفتوحا على كل الاحتمالات وأسوأ ما سمعته لم يكن متعلقا بحالة الرعب التى بات سكان الجزيرة يعيشون فى ظلها وإنما كان منصبا على نظرتهم السلبية إلى السلطة المسكونة بالمرارة وفقدان الثقة .
الأمر الذى دفع كثيرين من أهل الجزيرة إلى اعتبارها سلطه غاشمة وسيئه القصد لا تملك شجاعة إعلان حقيقة مرادها ولا تردد فى استخدام أساليب الخداع والتهديد والابتزاز والقهر.
لقد حدثنى بعضهم عن استعداداتهم لمواجهة أى هجوم يتعرضون لة من جانب القوه المرابطة وكيف أن شبابهم يجمعون الحجارة والزجاجات الفارغة لاستخدامها فى رشق الجنود إذا هاجموهم وقال آخرون إنهم أصبحوا يفزعون وينتـفضون إذا ما سمعوا أى صوت غير عادي أثناء الليل ظناً منهم أن الجنود اقتحموا بيوتهم وحدثنى مهندس مصاب بالسرطان عن أن زوجته حفرت قبرها فى داخل البيت لتلقى حتفها فيه إذا ماتم اقتحام دارهم .
وروى أكثر من واحد فصة صلاة الجمعه التى أقيمت بعد اشتباك الجنود المسلحين مع الأهالى وكيف ان الناس خشوا أن يداهمهم الجنود إثناء أدائهم للصلاة وتم الإتفاق على أن يتولى إخوانهم المسيحيون حماية ظهورهم وهم يصلون وسمعت رواية أخرى لقصة الطبيب المصري المقيم بالجزيرة والذى يحمل الجنسيه السويسرية والمتزوج من سيده سويسريه وكيف أن السفير السويسري كان فى زيارتهم أثناء اشتباك الجنود مع الأهالى مما أدى إلى تحطيم زجاج بيت الطبيب وتعرض السفير لإصابة بسيطه .
تلقيت أكثر من تعليق على كلام وزير الرى فى برنامج ( العاشره مساءً) الذى تقدمه ( منى الشاذلى) على قناة (دريم ) وقال فية إنهم يريدون إقامة متنزهات ومحلات للهدايا بالجزيرة . وهو ما استغرب له سكانها الذين رفضت الحكومة توصيل الكهرباء إليهم بالمجان كما يحدث مع بقية المواطنين فى بر مصر حتى اضطروا إلى جمع 300 ألف جنية من بينهم تم دفعها إلى وزارة الكهرباء للاستجابة لمطلبهم .
وتساءل أخرون مندهشين كيف تفكر السلطة فى اقامة بوتيكات بالجزيرة فى حين أنها لاتوجد بها وحدة صحية تعالج المرضى الذين يحملون فى القوارب إلى الجيزة كلما ألم بهم طارىء.
مأثار انتباهى أيضا فيما تلقيت من اتصالات أن أصحابها رجونى ألا أذكر أسماءهم لخشيتهم من بطش القوة المسلحة المرابطه وسط بيوتهم خصوصا بعد الذى سمعوه من إخوانهم الذين رووا لمن حولهم كيف تم اقتيادهم ووضع القيود الحديدية فى أيديهم واتهامهم بالتآمر على قلب نظام الحكم فى البلد لإجبارهم على التنازل عن أراضيهم.
لقد بكى أحدهم وهو يحدثنى عن الفزع الذى يعيش فى ظله هو وأسرته منذ وقع الهجوم المشئوم فى 11 سبتمبر وعن القلق الذى يعتصره على مستقبل زوجته وأطفاله فى ظل المرض الذى ألم به وإزاء مستقبل الجزيرة الأسود الذى تلوح بوادره فى الأفق.
لماذا لا يتم تقصي الحقيقة فى هذه القضية الغامضة المريبة حتى يعرف الناس ما الذى يدبر لهم ويراد بهم ؟
................................

الجزء الثانى من برنامج " الجنة فى بيوتنا " للأستاذ عمرو خالد

الجمعة، 28 ديسمبر، 2007

إبتداء من الجمعة 28 / 12

يبدأ الجزء الثانى من برنامج " الجنة فى بيوتنا " للأستاذ عمرو خالد
و يهتم هذا الجزء بالشباب بشكل خاص
وسوف يبث على قناتى الرسالة و المحور فى تمام الساعة 9.30م بتوقيت القاهرة
و هذا الميعاد أكيد بأذن الله ... و قد نوهت عنه قناة الرسالة
و مواعيد الاعادة على الرسالة
الأحد 12 ليلا .. الأثنين 10.15 صباحا ... الاربعاء 5 مساء
بتوقيت القاهرة
توقيت مكه = توقيت القاهره + 1ساعه
توقيت جرينتش = توقيت القاهره - 2ساعه

غزوة القرصاية -- فهمي هويدي

الخميس، 27 ديسمبر، 2007

صحيفة الدستور المصريه الاربعاء 17 ذى الحجه 1428 هـ 26 ديسمبر 2007م

غزوة القرصاية

فهمي هويدي

يبدو أن الذى جري فى قصة جزيرة القرصاية أشد غرابة وأكثر إثاره مما يخطر على بال أى أحد وفيما يتعلق بي فكلما سمعت عنها خبراً عجيبا اكتشفت أن هناك ما هو أعجب منه وكلما حاولت أن أستجلى غموضا فوجئت بأن طريق الغموض لانهاية له وكلما وضعت يدي على معلومه ظهرت لى معلومه أخرى أنكى وأفدح.
لقد تطرقت إلى الموضوع مرتين ولكنى تلقيت بعد ذلك عدة اتصالات أخذت على أننى تحدثت عن الذين يحاولون الانقضاض على القرصاية لكننى لم اتعرض لما جرى لأهلها وهم الضحايا الذين لايزالون غيرمصدقين ما حدث معهم, طلبت منهم أن ينتخبوا واحدا منهم ليروى هذا الفصل من القصة فتخيروا واحداً قائلين إن كل كلمة يقولها هناك أكثر من سند يؤيدها وأكثر من شاهد يؤكد صحتها , قال صاحبنا بصوت مسكون بالرعب والخوف إن أهل الجزيرة الذين هم خليط من الصيادين والمزارعين فوجئوا فى بداية الصيف ببعض القوارب المحمله بالجنود تحوم حولها وإن بعضا منهم يقوم بتصوير المبانى المقامه عليها من مختلف الزوايا
وعصفت بهم الحيرة حين تلقوا فى وقت لاحق رسالة من رئاسة الوزراء تطلب من الأهالى وقف دفع الايجارات وتسليم الاراضى الزراعيه التى بحوزتهم وتدعو أصحاب المبانى إلى التقدم بأوراقهم الى الجهات الرسميه للنظر فى إعطائهم بدائل عنها وكان من بين الذين تلقوا إنذارات الاخلاء رجل اسمه (محمد عبدالمعطى سلام) عمره 75 سنة ولد فى القرصاية وورث الأرض عن أبيه وجاء الخطاب موجها إلى ورثة عبد المعطي سلام وأخر عمره 82 سنة اسمة ( يوسف ابراهيم أبو جمعه ) وقد وجه الانذار الى ورثة الاب إبراهيم أبوجمعة الأمر الذى يشهد بأن الأسرتين تحوزان الأرض ويعيش عليها أبناؤها وأحفاد ها منذ أكثر من قرن من الزمان.
توالت المفاجآت بعد ذلك حيث جاء الجنود المسلحون بمعداتهم وآلاتهم إلى منطقة خالية وقاموا بتسويتها وتعلية أرضها واستقروا فوقها وحاولوا دخول أراضى اخرى ولكن الفلاحين تصدوا لهم واشتبكوا معهم فتراجع الجنود وارتدوا الى مكمنهم , فى يوم آخر خرج الجنود وأطلقوا بعض الرصاصات الفارغه بعد ذلك مباشرة وجاء الجنود المسلحون يقودهم ضابط برتبة عقيد ليطرقوا أبواب 11 شخصاً من سكان الجزيرة ويبلغوهم بأنهم مدعوون للقاء اللواء فلان لتقنين ملكياتهم للمساكن والاراضى ولذلك طلبوا منهم احضار اوراقهم التى تثبت الحيازة .
رحبت المجموعه بالدعوة وذهبوا معهم بسياراتهم للقاء اللواء المذكور فى المكان المقصود قوبلوا بالترحاب وقدمت لهم المشروبات والحلوى وبعد ثلاث ساعات من الانتظار قيل لهم إنهم سيقابلون اللواء فى مبنى آخر وطلب منهم تسليم هواتفهم المحموله لأن مكان اللقاء له وضعه الخاص امتثلوا واقتادهم الجنود الى حيث فوجئوا بحافلة ركاب فى انتظارهم وجنود يحملون (كلبشات) فى ايديهم , الامر الذى أثار ارتيابهم ثم تحولت الريبه إلى خوف حين أبلغهم ضابط برتبة مقدم بعد أن ركبوا الحافلة بأن لديهم مشكلة مع الجهات الرسمية يتعين حلها وصدموا حين تم اقتيادهم إلى محققين يدققون فى بياناتهم ويأخذون بصماتهم ثم ذهلوا حين قيل لهم فى مكان آخر إنهم متهمون بقلب نظام الحكم ومقاومة السلطات ووجهت لهم أسئلة عن الاسلحه التى أعدوها لهذا الغرض !
محدش قال ان الدنيا اسودت فى عينيه وان جسده أصيب برعشة لم يتمكن بسببها من السيطرة على أطرافة ولا على تفكيره حتى انهار تماما ولم يفق إلا على صوت ضابط برتبة عميد يطلب منه هو ومن معه بأن يتنازلوا عن أرضهم وأن يتعهدوا بعدم التواجد فيها اطلاقا وفى ظل الانهيار الذى أصابهم , وأمامهم حرصهم على الخروج من الأزمة التى وقعوا فيها بأى ثمن , فإنهم وقّعوا على التنازل صاغرين وحينئذ فقط أطلق سراحهم عند الفجر !
وحين عادوا يجرجرون أقدامهم اكتشفوا ان الجنود المسلحين استولوا على بعض المنازل التى غاب عنها سكانها وجلسوا يراقبون الداخلين والخارجين فى الوقت الذى قرر فيه اهالى الجزيره أن يدافعوا عن بيوتهم وأراضيهم ونظموا ورديات تناوبت على حراستها طوال 24 ساعة.
بقى أن تعلم أن واقعه إرغام السكان على التنازل تمت يوم 11 سبتمبر فى الذكرى البائسه التى أطلق عليها إعلام تنظيم القاعدة (غزوة منانهاتن ) الأمر الذي يسوغ لنا أن نصف ماجرى بأنه ( غزوة القرصاية).

دعوة لتبديد الغيوم في العلاقات العربية التركية -- فهمي هويدي

الأربعاء، 26 ديسمبر، 2007

صحيفة الشرق الاوسط الدوليه 17 ذى الحجه 1428 هـ 26 ديسمبر 2007م
دعوة لتبديد الغيوم في العلاقات العربية التركية
فهمي هويدي
حين اجتمع رؤساء حكومات دول الاتحاد الأوروبي الـ27 في لشبونة في (11/12) لتوقيع معاهدة التعاون فيما بينهم، التي تحل محل الدستور الموحد الذي رفضه الفرنسيون والهولنديون، فإنهم اختاروا إقامة الاحتفال الرسمي بالتوقيع في «دير» بالعاصمة البرتغالية، معروف باسم دير جيرونيموس الذي بني على الطراز القوطي في القرن السادس عشر، ولأننا نعرف أن أماكن مثل هذه الاحتفالات ذات الأهمية التاريخية لا يتم اختيارها اعتباطاً، وإنما تراعى فيها اعتبارات عدة، الرمزية من بينها ورغم ان وسائل الإعلام العربية اهتمت بموضوع المعاهدة إلا أنني وجدت أن مكان توقيعها من الأهمية بمكان توقيعها لأنه حين توقع 27 دولة أوروبية اتفاق التعاون بينها في مقر دير تم بناؤه بعد خروج المسلمين من الاندلس، فإن ذلك الاختيار يبعث إلى كل من يهمه الأمر برسالة من شقين، أولهما أنه يكرس الطابع المسيحي للاتحاد الأوروبي، وثانيهما أنه يكاد يغلق الباب أمام تركيا (72 مليوناً 99.6% منهم مسلمون) التي تحاول جاهدة الانضمام إلى ذلك الاتحاد.
هذه الرسالة تأتي في أعقاب التوتر الحاصل بين أنقرة وباريس بسبب انحياز فرنسا إلى جانب الأرمن في مشكلتهم مع تركيا واتهامهم لها بارتكاب مذابح بحقهم في المرحلة العثمانية، وبسبب الموقف الفرنسي الرافض لانضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي، وتشجيعها الدول الاوروبية الأخرى لأن تحذو حذوها الأمر الذي يضعف من أمل الحكومة التركية في تحقيق الهدف الذي تسعى اليه منذ حوالي نصف قرن. وهي التي انضمت في عام 59 الى المجمع الاقتصادي الأوروبي وتقدمت بطلب عضوية الاتحاد حين كان عدد الدول التي أسسته لا يتجاوز ست فقط، ولا يزال طلبها منظوراً بعدما أصبحت منظومته تضم 27 دولة. صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية ما زالت تضغط لقبول عضوية تركيا للاتحاد الاوروبي، إلا أن بعض الساسة الأوروبيين اعتبروا تلك الضغوط تستهدف تحقيق المصالح الأمريكية التي لا تتطابق تماماً مع المصالح الأوروبية.
على صعيد آخر، فإنه حتى مشروع الرئيس ساركوزي لإقامة ما أسماه بالاتحاد المتوسطي، الذي يريد له أن يضم الدول المطلة على البحر الأبيض، استثنى تركيا، في حين وضعت إسرائيل في قلبه وهو أمر لا يفسر إلا بحسبانه موقفاً اقصائياً لها لا يستبعدها فقط من الاتحاد الأوروبي، ولكنه يستبعدها أيضاً من هذا المشروع الذي لم تتبلور فكرته بعد.
هذه الملابسات تعيد تركيا إلى الأزمة التي واجهتها منذ عشرينيات القرن الماضي، بعد إلغاء الخلافة الاسلامية وتولي الكماليين للسلطة، وانتهاجهم منذ ذلك الحين سياسة تغريب تركيا وهو النهج الذي وصفه بعض الباحثين بأنه استهدف إبعاد تركيا عن موقع صدارتها في العالم الإسلامي.
صحيح أن تركيا الآن لا يمكن أن توصف بأنها في مؤخرة الغرب، بعدما نهضت وأصبحت واحدة من أهم 15 دولة صناعية في العالم، إلى جانب أنها تحتل المرتبة السادسة بين أفضل الدول المنتجة والمصدرة للمنسوجات إضافة إلى كونها قوة عسكرية يحسب حسابها، إلا أنها في النهاية تظل واقفة بباب الغرب ولا يراد لها أن تنضم إلى «ناديه» الذي يريد بعض الساسة الأوروبيين اغلاقه على الدول المسيحية. إن شئت فقل أنهم في أحسن الفروض يريدون أن تظل علاقتهم مع تركيا مجرد «خطبة» دائمة، لا تنتهي بزواج!
السؤال الذي يراودني منذ شرعت في كتابة السطر الأول من هذا الكلام هو: لماذا لا يطرح العرب «مبادرة» تحتضن تركيا، بدلاً من أن تظل في حيرتها على أبواب أوروبا، وبدلاً من أن تستثمر إسرائيل لصالحها تلك المسافات المتباعدة بين أنقرة والعواصم العربية، وبدلاً من ان تظل الولايات المتحدة هي الحليف القوي الذي يساند تركيا ويدعمها؟
أدري أن رجال الأعمال الأتراك لهم نشاطاتهم الواسعة في العالم العربي والإسلامي، وان منظمة «موصياد» التي تضم عدداً ضخماً من الصناعيين الأتراك دأبت على إقامة معارضها الدولية كل عام التي تشارك فيها وفود من أكثر من 40 دولة إسلامية (المعرض الحادي عشر أقيم في أبو ظبي خلال شهر نوفمبر الماضي)، لكنني أتحدث عما هو أبعد من ذلك. اتحدث عن رؤية استراتيجية للتعامل مع تركيا باعتبارها أحد أهم ثلاثة أعمدة في بنيان الشرق الأوسط (الدولتان الاخريان هما مصر وإيران). حيث تعداد كل دولة يتجاوز 70 مليونا، وكل واحدة منها لها موقعها المميز وإمكاناتها الكبيرة وثقلها الحضاري المعتبر. وفي أي تفكير استراتيجي فإن التعاون مع الدول الثلاث من شأنه أن يغير من توازنات المنطقة ويعيد رسم خرائطها. ويضيف إلى المعادلات الدولية معادلة جديدة، يمكن أن توقف العبث الدولي بالشرق الأوسط، الذي يستبيح حاضرها ومستقبلها سواء تمثل ذلك العبث في المخططات الأمريكية أو بألاعيب وحيل الرباعية الاوروبية.
وإذا بدا ذلك الطرح بعيداً لأسباب يطول شرحها، فإن التوافق العربي التركي يظل على حدود الممكن، خصوصاً أن الطريق أمامه ممهدة ولا تعترضها العقبات الموضوعة في الطريق إلى طهران. وإذا قال قائل انه طالما كان الطريق مفتوحاً فإنه ليس هناك ما يحول دون التقدم عليه من أي جانب. وهذا صحيح تماماً. وهو ذاته موضع التساؤل الذي تردده بعض العناصر السياسية في أنقرة واسطنبول. والتساؤل الذي سمعته أكثر من مرة من بعض الباحثين الأتراك المهتمين بالموضوع كالتالي: لماذا غابت «الحرارة» من خطوط الاتصال بين أنقرة وبين مختلف العواصم العربية؟ إنهم يتحدثون بإيجابية عن الزيارات التي قام بها لأنقرة بعد تولي الرئيس عبد الله جول لمنصبه كل من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس السوري بشار الأسد، والعاهل الأردني الملك عبد الله بن الحسين، ويقولون ان تلك الزيارات عبرت عن المودة والرغبة الصادقة في مد الجسور ثم يضيفون أن عودة الدفء في العلاقات يتطلب جهوداً متواصلة من جانب مختلف الفعاليات على الجانبين.
في هذا الصدد يقولون ان الرئيس جول سيقوم من جانبه بمسعى في هذا الصدد، حيث سيزور مصر خلال الربيع القادم، وسوف يصطحب معه وفداً من رجال الأعمال في حدود 400 شخص. وأنه يريد بذلك أن يقوي العلاقات السياسية والاقتصادية، وإذا تعذر الجمع بين الحسنيين وتعثرت الأولى فربما كان البديل الثاني أكثر قبولاً. وفي كل خير.
يقولون أيضاً ان حكومة حزب العدالة والتنمية تعتبر أن تمتين العلاقات مع العالم العربي والإسلامي من بين ركائز سياستها الخارجية. وقد سمعت من الدكتور أحمد داود أوغلو، أحد مستشاري رئيس الوزراء التركي قوله ان بلاده ترفض أن تكون مجرد جسر بين الشرق والغرب، وإنما تتطلع لأن تقوم بدور فاعل في تنشيط العلاقات بين الجهتين، ولذلك فهي حريصة على إثبات حضورها في منطقة الشرق الأوسط على الأقل، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالعراق ولبنان وفلسطين. لكن ذلك الحضور سيكون أكثر فاعلية إذا تم في مناخ الحماس والتجاوب من الجانب العربي.
لقد اشتركت في ندوة أقيمت في اسطنبول قبل أيام قليلة في (15 و16/12) حول الحوار التركي المصري، نظمت بالتعاون بين برنامج حوار الحضارات بجامعة القاهرة، ومنتدى «أبانت» التركي للحوار مع العالم الخارجي. ولست هنا في صدد عرض وقائع الندوة التي تحدثت عنها في مقام آخر، لكن احدى الخلاصات التي خرجت بها مما سمعته من الأكاديميين والخبراء الأتراك، أنهم لم يتلقوا من العالم العربي رسالة تعبر عن حماس حقيقي للتعاون مع تركيا، وهو ما يحيرهم، لأنهم لا يجدون سبباً قوياً لاستمرار ذلك الفتور. ولأنني بدوري أشاركهم الحيرة ذاتها، فإنني تمنيت أن يقوم الأمين العام لجامعة الدول العربية بزيارة إلى أنقرة لمحاولة فهم الموقف التركي وتفسير الموقف العربي، حيث من المؤكد أن ثمة مصلحة حقيقية للطرفين في إزالة الغيوم والالتباس المخيمة على مجرى العلاقات بينهما.

رســالة غـيرة وغيــظ مـن تركيـــا -- فهمي هويدي

الثلاثاء، 25 ديسمبر، 2007

صحيفة الاهرام المصريه الثلاثاء 16 ذى الحجه 1428 هـ 25 ديسمبر 2007 م
رســالة غـيرة وغيــظ مـن تركيـــا
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي

كلما زرت تركيا عدت مسكونا بمشاعر الغيرة والغيظ‏,‏ وهو ما انضافت إليه هذه المرة مسحة حزن لا أستطيع كتمانها‏.‏

(1)‏
كانت مناسبة زيارة الأسبوع الماضي أنني دعيت للمشاركة في مؤتمر للحوار المصري التركي‏,‏ نظمه برنامج الدراسات الحضارية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالتعاون مع منتدي‏'‏ ابانت‏'‏ التركي المختص بإدارة الحوار مع الثقافات الأخري في الشرق والغرب‏.‏ وكان المؤتمر بمثابة حلقة في سلسلة الحوارات المستمرة بين المصريين والأتراك منذ الفتح العثماني لمصر في عام‏1517‏ م‏,‏ والتي تخللتها مراحل من الفتور النسبي‏(‏ إبان عهد محمد علي باشا وما بعده‏),‏ ومراحل أخري من الجمود خصوصا في عقب ثورة يوليو عام‏1952.‏ إلا أنه من الثابت أن الصلات الاجتماعية لم تنقطع طوال الوقت‏,‏ حيث ظلت استانبول مقصدا للطبقة الأرستقراطية المصرية‏,‏ حيث يذكر صاحب كتاب‏'‏ الأتراك في مصر‏'_‏ الدكتور أحمد البحيري‏_‏ في دراسته التي كانت أطروحته لنيل الدكتوراه‏,‏ أن المصريين الذين زاروا المدينة في عام‏1910‏ وصل عددهم إلي خمسة آلاف شخص‏.‏

خلال السنوات الأخيرة نشطت السياحة بين مصر وتركيا‏.‏ لكن التجار المصريين أصبحوا ينافسون السياح في العدد‏,‏ بعدما حققت الصناعة التركية قفزات بعيدة أهلتها لدخول السوق الأوروبية والتوغل في جمهوريات آسيا الوسطي‏.‏ وغزو العالم العربي من أقصاه إلي أقصاه‏.‏ وهي الطفرة التي تستثمرها منظمات رجال الأعمال الأتراك وعلي رأسها منظمة‏'‏ الموصياد‏'‏ التي وجهت نشاطها للعالم الإسلامي وحققت نجاحات كبيرة في أرجائه‏.‏

لا يقصر الأتراك في التعبير عن الزهو بما حققوه في المجال الاقتصادي‏,‏ الأمر الذي أهل بلادهم لأن تصبح من أهم‏15‏ دولة صناعية في العالم‏,‏ إلي جانب أنها تحتل المرتبة السادسة بين أفضل الدول المنتجة والمصدرة للمنسوجات‏.‏ إلي غير ذلك في المعلومات التي تبهر الزائرين‏,‏ في حين أنها تشعر أمثالي من المصريين بالخجل‏,‏ لأن السلطان سليم حين فتح مصر في أوائل القرن السادس عشر انتابه ذات الشعور بالانبهار إزاء ما وجده بها من حيوية وتقدم في الفنون والعلوم‏,‏ فاستقدم إلي الأستانة عاصمة الدولة العلية‏.‏ أعدادا كبيرة من الحرفيين والمهنيين المهرة كما جلب معهم بعضا من أهل العلم‏,‏ علي ما يذكر المؤرخ المصري‏'‏ ابن إياس‏',‏ وبقي هؤلاء هناك عدة سنوات نقلوا خلالها خبراتهم ومهاراتهم إلي الأتراك ثم أعادهم السلطان سليمان الأول إلي مصر بعد ذلك‏,‏ في حين فضل بعضهم البقاء هناك‏.‏

تضاعف شعوري بالخجل واختلط بفيض من الحزن والانكسار‏,‏ حين قرأت في الصحف التركية ذات صباح أن سفينة محملة بالمصريين الفارين من البطالة والفقر حاولوا التسلل إلي تركيا‏.‏ لكنها لم تصمد أمام شدة الأمواج‏,‏ فغرقت بهم علي سواحلها‏,‏ وأغرقت معها أحلام‏90‏ شابا مصريا‏.‏ وهي فاجعة دفعتني إلي المقارنة بين زمن ذهب فيه المصريين إلي تركيا لينقلوا إليها فنون الصناعات والحرف والعلوم‏,‏ وزمن آخر قصدها فيه المصريون عاطلين ليغرقوا علي سواحلها‏.‏ وكان وفد الباحثين المصريين المشاركين في مؤتمر الحوار من أبناء ذلك الزمن الثاني‏.‏‏

(2)‏
ضمت المجموعة ثلاثة عشر شخصا‏,‏ كانوا خليطا من أساتذة العلوم السياسية والمتخصصين في الشأن التركي والمهتمين به‏,‏ تقدمتهم الدكتورة نادية مصطفي أستاذة العلاقات الدولية ومديرة برنامج حوار الحضارات‏.‏ أما الفريق التركي فقد كان أغلبه من الأكاديميين وقلة منهم جاءوا من عالم السياسة‏,‏ وفي المقدمة من هؤلاء السيد يشار ياكيش‏,‏ السفير الأسبق في مصر‏,‏ الذي عين لاحقا وزيرا للخارجية‏,‏ وهو الآن عضو في البرلمان عن حزب العدالة والتنمية‏.‏

شأن كل نجاح يأسر الناظرين ويجعلهم يصرفون النظر عن كل ماعداه‏,‏ فإن إنجازات التجربة التركية ظلت مخيمة علي الحوار طوال الوقت‏.‏ وهي هيمنة مستحقة‏,‏ ترشح الواقفين وراءها لنيل مختلف جوائز التقدير والإعجاب‏.‏ إذ في عالم السياسة فإن الجائزة الكبري التي ينالها أهل الحكم في أي بلد هي رضا الناس‏,‏ واقتناعهم بأن استمرار الحاكمين في مواقعهم يضيف إلي حياتهم ويقلل من معاناتهم ويعطيهم أملا في مستقبل أفضل‏.‏ وهذا بالضبط ما فعله حزب العدالة والتنمية‏,‏ حين خاطب المجتمع بلغة الإنجاز‏,‏ التي تردد صداها في بيوت الناس وجيوبهم‏.‏ من ثم فإنهم لمسوا ذلك الإنجاز ولم يقرأوا عنه في الصحف فقط‏.‏ وهو ما حدث حين تضاعف متوسط دخل الفرد في أربع سنوات من‏2500‏ دولار في الشهر إلي خمسة آلاف دولار‏,‏ وحين انخفضت نسبة التضخم في الفترة ذاتها من‏37%‏ إلي‏9%,‏ وحين استقر سعر الليرة التركية

وتجاوزت مرحلة التقلبات المفاجئة‏,‏ وحين وزعت الكتب والكراريس بالمجان علي عشرة ملاين تلميذ بالمدارس الحكومية في المرحلة قبل الجامعية‏,‏ وحين تم بناء‏300‏ ألف مسكن للعائلات الفقيرة‏.‏ وحين تم توزيع مليون ونصف المليون طن من الفحم علي المعوزين في شتاء كل عام‏.‏ ذلك غير زيادة قيمة الصادرات من‏36‏ مليار دولار إلي‏95‏ مليارا‏,‏ وتخفيض ديون تركيا لدي صندوق النقد الدولي من‏23‏ مليار دولار إلي‏9‏ مليارات فقط‏(‏ رئيس البنك المركزي في أنقرة صرح بأن بلاده لم تعد بحاجة إلي صندوق النقد‏),‏ وشق طرق في أربع سنوات بطول‏6500‏ كيلو متر في حين أن كل ما تم شقه منذ قيام الجمهورية قبل‏80‏ عاما لم يتجاوز‏4500‏ كيلو متر‏...‏ إلخ‏.‏

حين يكون الإنجاز بهذه الصورة فإن أي قادم إلي تركيا وأي متحدث عنها لا يملك سوي أن يحني رأسه تقديرا لتجربتها‏,‏ ولابد أن يعذر إذا ظل بصره مشددا إلي الوجه الإيجابي في التجربة‏,‏ ويصبح النظر إلي ما هو سلبي فيها من قبيل التصيد والتنطع غير المستساغين‏.‏ بوجه أخص فإنه حين يكون الزائر قادما من مصر فإن تعامله مع التجربة ينبغي أن ينطلق من منظور التدبر والتعلم قبل اي شئ آخر‏.‏

(‏ 3)‏
تطرقت المناقشات إلي ملفات عديدة في التجربة التركية‏,‏ التي استأثر ملف‏'‏ العلمانية‏'‏ بالقسط الأكبر منها‏.‏ وللعلم فإن العلمانية في تركيا ولدت دينا له قداسته وكهنته‏,‏ وله معتنقوه المتطرفون والأصوليون ومنهم‏'‏ الوسطيون‏'‏ والمعتدلون‏.‏ إلا أن مفهومها تطور بمضي الوقت‏.‏ وكان أهم ما في ذلك التطور أنها تحولت من مخاصمة الدين إلي مصالحته‏.‏ وهو ما دعا السيد يشار ياكيش إلي اعتبارها علمانية‏'‏ إيجابية‏'‏ في موقفها من الدين وليست سلبية‏.‏ فهي لا تعزل الدين عن المجال العام‏,‏ وإنما تحدث تمييزا بينه وبين السياسة‏.‏ وهذا الحضور للدين في المجال العام تمثل في الدور الكبير الذي يقوم به الوقف في المجتمع التركي‏,‏ علي ما سنري بعد قليل‏,‏ الأمر الذي حوله إلي رافعة مهمة في تنمية المجتمع والنهوض به‏.‏

والمقصود بالتمييز بين ما هو سياسي وما هو ديني‏,‏ أن القرار السياسي لا يعتمد علي المرجعية الدينية‏,‏ لكنه لا يتصادم معها‏.‏ وبهذا التطور في مفهوم العلمانية‏,‏ الذي في ظله تم عبور مرحلة الخصومة مع الدين ومحاربة المتدينين‏,‏ فإنه تم فض الاشتباك بين العلمانيين والمتدينين‏,‏ الأمر الذي مكن حزب العدالة من أن يعبر عن التزامه بالعلمانية في صيغتها المعدلة‏.‏

في استجلاء هذه النقطة‏,‏ ذكر بعض المتحدثين الأتراك أنه حين تكون نسبة المسلمين في البلد‏99.6%,‏ وحين تبين استطلاعات الرأي أن ثلثي الشعب التركي من المتدينين‏,‏ وأن الثلث فقط قريب من العلمانية بتنويعاتها المختلفة‏,‏ فإنه يتعذر علي العلمانية المخاصمة للدين أن تستمر فيه‏.‏

استطرادا من هذه النقطة قال متحدثون آخرون إن التطوير أو التعديل لم يكن مقصورا علي مفهوم العلمانية‏,‏ ولكنه أيضا طال أفكار الناشطين الإسلاميين‏,‏ كما كان له صداه في موقف الجيش‏.‏ وهو ما يشهد به مسار الحركة الإسلامية التي قادها نجم الدين أربكان في السبعينيات وحققت نجاحات محدودة‏,‏ لا تقارن بالنجاح الكبير الذي حققه حزب العدالة والتنمية‏,‏ الذي خرج قادته من عباءة أربكان ومشروعه‏,‏ الامر الذي مكن الحزب من الحصول علي أغلبية كبيرة في الانتخابات‏,‏ ومن ثم الوصول إلي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة‏.‏ والفرق الجوهري بين مشروعي أربكان وأردوغان‏,‏ أن الأول خاطب المجتمع بلغة الداعية الذي يتطلع إلي إصلاحه‏,‏ في حين أن أردوغان وجماعته خاطبوا المجتمع بلغة الفاعلين المنجزين الذين يتطلعون إلي خدمته والنهوض به‏.‏ وكانت النتيجة أن الناس انحازوا إلي الفاعلين المنجزين وليس إلي الدعاة القوالين‏.‏

الجيش كانت له لغته التي اعتاد أن يتعامل بها مع الأنظمة التي يشك في صفاء علمانيتها‏,‏ وله ثلاثة انقلابات شهيرة في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات‏,‏ أطاح فيها بثلاثة أنظمة وأعدم واحدا من رؤسائها‏(‏ عدنان مندريس‏).‏ وانقلابه الرابع الذي تم في التسعينيات ضد نجم الدين أربكان أعتبر أبيض‏,‏ لأنه اضطرهم للاستقالة وأسقط حكومته مستخدما في ذلك عضلاته دون سلاحه‏.‏

هذه المرة لم يكن الجيش سعيدا بحكومة حزب العدالة‏,‏ حتي قاطع رئيس أركانه حفل تنصيب رئيس الجمهورية عبد الله جول‏,‏ لكنه لم يذهب إلي أبعد من التعبير عن الامتعاض لا أكثر‏.‏ وهذا موقف غير مألوف من جانب قادتهم‏,‏ ربما كان يمثل استجابة لضغوط الاتحاد الأوروبي الذي تتطلع تركيا للإنضمام إليه‏,‏ لكن أحدا لا ينكر أن المناخ الجديد الذي حل بالبلاد له دوره الأكبر في تغير موقفه‏.‏

المناقشة المهمة جرت حول تفسير ذلك التحول‏,‏ ففي حين قال أحد الأتراك إن تطبيق النظام العلماني هو الذي أدي إلي تهذيب مختلف الأطراف‏,‏ فإن أكثر من متحدث اعتبروا أن الديمقراطية هي صاحبة الفضل فيما جري متحفظين علي الربط التلقائي بين العلمانية والديمقراطية‏,‏ ومذكرين بأن الاستبداد في العالم العربي‏_‏ ماضيه وحاضره‏-‏ مرتبط بالنظم العلمانية‏.‏‏

(4)

لا يتسع المجال لاستعراض المناقشات التي جرت حول بقية الملفات‏,‏ لكنني لا استطيع أن اختم دون أن أتوقف عند موضوعين اثنين حظيا بقدر غير قليل من الاهتمام أثناء المؤتمر‏.‏ الأول يخص وضع المجتمع المدني في تركيا‏,‏ والثاني يتعلق بمسألة الانضمام إلي الاتحاد الأوروبي‏.‏ ذلك أن قوة المجتمع المدني في تركيا أصبحت احد أهم مميزات تجربتها‏.‏ وهذه القوة لا ترجع فقط إلي تعدد الأحزاب والمنظمات الحقوقية‏,‏ ولكنها مستمدة بالدرجة الأولي من الحضور الكبير لمؤسسات الوقف الأهلي‏,‏ التي أصبحت عصب التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في البلد‏.‏ ذلك أنه ما من مجال لحركة المجتمع إلا وله وقف يموله و يدعمه‏.‏ حتي بلغ مجموعها‏780‏ ألف وقف أهلي وخيري‏,‏ اغلبها يغطي الأنشطة الاجتماعية والخيرية‏,‏ والبعض الآخر يختص بأنشطة مغايرة‏,‏ مثل وقف التصحر وتعزيز القوات المسلحة والبحث العلمي والنشاط الثقافي والمتحفي ومعالجة الأطفال المصابين بالسرطان و العمل الصحفي‏...‏ الخ‏.‏

وهذه الأنشطة المتغلغلة في مختلف نواحي الحياة‏,‏ جعلت المجتمع شريكا وفاعلا في صياغة حاضره ومستقبله‏,‏ فضلا عن أنها وفرت له قدرا من العافية والمناعة جعلته في موقف الند من السلطة‏,‏ وليس التابع لها‏.‏

موضوع الانضمام إلي الاتحاد الأوروبي الذي أفاض فيه المتحدثون الأتراك باعتباره إحدي ركائز السياسة الخارجية‏.‏ و قد كان واضحا من كلماتهم أن الأمل في تحقيق الانضمام يتضاءل بمضي الوقت‏.‏ ليس فقط بسبب التسويف الأوروبي المستمر منذ عام‏1959(‏ الذي انضمت فيه تركيا إلي المجمع الاقتصادي الأوروبي‏),‏ ولكن أيضا بسبب تزايد الاعتراض من جانب الحكومات الأوروبية ـ الرئيس الفرنسي ساركوزي احدث المعترضين ـ التي يتحفظ بعضها علي انضمام دولة تضم‏72‏ مليون مسلم إلي الاتحاد‏.‏ حتي أن احد المتحدثين قال أن بعض المتعصبين الأوروبيين يعلنون أن أوروبا لم تسمح لتركيا في الماضي بأن تدخل إلي أوروبا بقوة السلاح‏,‏ وأولي بها أن ترفض دخولها الآن وهي مسالمة وبغير حرب‏.‏

في هذا السياق فان احد الأتراك لفت النظر إلي أن رؤساء دول الاتحاد الأوروبي الـ‏27‏ حين وقعوا في لشبونة أخيرا معاهدتهم الإصلاحية‏_‏ التي حلت محل الدستور‏-‏ فان احتفالهم بالمناسبة أقيم في دير‏'‏ جيروتيموس‏'‏ بما يشير ضمنا إلي الطابع المسيحي للاتحاد‏,‏ الامر الذي قد يراد به توصيل رسالة تعلن انه لا مكان لتركيا في المنظومة الأوروبية‏.‏ يشار ياكيش وزير الخارجية السابق حين تحدث في الموضوع قال إن حسم مسألة الانضمام للاتحاد الأوروبي سوف يستغرق عشر سنوات‏.‏ ونقل عن رئيس الوزراء طيب اردوغان في هذا السياق قوله أنه خلال هذه الفترة ستستمر تركيا في إصلاح أوضاعها الداخلية‏.‏ وقد لا يكون الرؤساء الأوروبيون المعترضون الآن موجودين في السلطة وقتذاك‏,‏ وربما تكون تركيا في وضع يسمح لها بالعزوف عن الانضمام للاتحاد‏.‏

إن ما فعلته تركيا ليس فيه سر‏,‏ لان التقدم له أسباب من اخذ بها فاز‏,‏ ومن تخلي عنها خاب وانتكس‏.‏ ولا يقف الأمر فيه عند حدود الرغبة‏,‏ وإنما لابد لتلك الرغبة من عزيمة قوية وإرادة مستقلة‏.‏ وذلك سبب إضافي لما عانيته في الرحلة الأخيرة من غيرة وغيظ وحزن‏.

انتكاسة للحوار القومي الإسلامي-- فهمي هويدي

الأربعاء، 19 ديسمبر، 2007

صحيفة الشرق الأوسط الدولية الأربعاء 10 ذى الحجة 1428 هـ 19 ديسمبر 2007 م
انتكاسة للحوار القومي الإسلامي
فهمي هويدي
تعرض الحوار القومي الإسلامي لانتكاسة عارضة في الاسبوع الماضي، حين عقدت جولة ثانية بأحد فنادق الاسكندرية في الفترة من 9 الى 11/12. تمثلت الانتكاسة فيما أثير أثناء المؤتمر من مداخلات أعادت إلى الأذهان قائمة الاشتباكات التي يفترض أنه تم تجاوزها في الجولة الأولى التي عقدت بالقاهرة عام 1989، وهو ما حول المؤتمر في نهاية المطاف من حوار قومي إسلامي إلى مساجلة بين المعتدلين القوميين والإسلاميين من جانب، والمتطرفين العلمانيين والشيوعيين في جانب آخر. وكانت النتيجة أن المؤتمر لم يكن بمثابة خطوة إلى الأمام، ولكنه بدا خطوة الى الوراء، عادت بمسار الحوار إلى ما كان عليه قبل عقدين من الزمان تقريباً.
في عقد الثمانينات، عقب زيارة الرئيس السادات لإسرائيل، تنامى شعور القوى الوطنية بالخطر على القضايا المصيرية في العالم العربي، الأمر الذي سيصحب انتباها إلى ضرورة مد جسور بين تلك القوى، أملا في تأسيس كتلة واحدة على الصعيد الثقافي على الأقل، تحتشد لمواجهة الأخطار التي تلوح في الأفق، والتي أقنعت الجميع بأنهم في مركب واحد، وأن واجب الوقت أن يستعلي الوطنيون جميعا فوق ذواتهم وخلافاتهم للانصراف إلى ما هو مشترك من أخطار. وكانت تلك هي الخلفية التي دعت مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت للدعوة إلى مؤتمر الحوار القومي الديني الذي عقد بالقاهرة في عام 1989م.
ورغم أن أعدادا كبيرة من المثقفين العرب الذين اختلفت مشاربهم شاركوا في المؤتمر، إلا أن الطرفين القومي والإسلامي كانا يمثلان القوى الاصيلة في الواقع العربي، في حين أن التيارات الأخرى جميعا كانت ولا تزال تنسب الى الوافد من أفكار قدمت من وراء حدود بلاد العرب.
الباحثون من الطرفين الذين شاركوا في مؤتمر عام 89 كانوا خمسين من المثقفين البارزين في العالم العربي، من بينهم المستشار طارق البشري والدكتور عبد العزيز الدوري والدكتور احمد كمال أبو المجد والدكتور احمد صدقي الدجاني والدكتور محمد عابد الجابري والدكتور رضوان السيد والسيدان جوزيف مغيزل ومحمود الناكوع. اما محاور المناقشة فكانت كالتالي: جامع العروبة وجامع الإسلام ـ الموقف من الفكر والمؤسسات الحديثة والتقليدية ـ تطبيق الشريعة الاسلامية ـ النظام السياسي، وأخيرا ممارسة كل طرف نقدا ذاتيا لتجربته.
بطبيعة الحال فإن المؤتمر لم يحسم خلافات القوميين والإسلاميين، لكنه حقق نتائج مهمة عدة، منها مثلا أنه وفر فرصة فهم كل طرف للآخر من خلال الحذر المباشر بينهما، الذي مكن كل طرف من أن يطرح أفكاره بل ينتقد ذاته بنفسه وعلى مسمع من الجميع. منها أيضا أن كل طرف أدرك أنه بحاجة للآخر كما هو من دون أن يتنازل عن أهدافه الأساسية فضلا عن مشروعه. منها كذلك أن المؤتمر كان بداية مرحلة فض الاشتباك بين التيارين، والتوافق على مواجهة تحديات المرحلة التي لم يختلف أحد لا حول تشخيصها ولا حول ضرورة الاحتشاد ضد تجلياتها وتداعياتها.
لم يكن متصورا ان يذوب الجليد بين الطرفين في لقاء استمر ثلاثة أيام. ولكن الحوار الذي تمّ شكل بداية لانعطافة من ذلك القبيل، ربما كان حصادها متواضعا على صعيد الواقع، ولكن أثرها كان كبيرا من الناحيتين الثقافية والفكرية، حيث خرج كل منهما مقتنعا بأن «الآخر» ليس شرا كله، وأن فيه بعض الخير الذي إذا أحسن استثماره فإنه ينفع الجميع على المستويين القطري والقومي. وفي كل الاحوال فإن التقييم المنصف لما جرى في مؤتمر عام 89 يشهد له بأنه كان خطوة إلى الأمام بكل المعايير، وإذا شئت فقل إنه شق طريقا واضحا لمن يريد أن يتقدم عليه، وتراوحت مواقف السائرين على ذلك الطريق بعد ذلك. فمنهم من واصل السير، ومنهم تعثر وأخفق، لكن الطريق ظل موجودا ومفتوحا منذ ذلك الحين وحتى اللحظة الراهنة. بدا من محاور المؤتمر أن الهدف هو تعميق التفاهم حول ما هو مشترك، وتوسيع دائرته ليشمل بعض الأوضاع المستجدة. لذلك فقد تراوحت تلك المحاور بين المواطنة والعولمة والجهاد والمقاومة والشريعة الاسلامية. واشترك في إعداد الأوراق والتعليق عليها حوالي 40 من الباحثين العرب من مختلف أقطار العالم العربي، منهم الدكاترة والأساتذة خير الدين حسيب وطارق البشري وعزمي بشارة وسمير أمين وحسن نافعة وجميل مطر أبو يعرب المرزوقي وأحمد الموصلي وسمير مرقس وعصام العريان وعبد الله جاب الله وصالح الجرشي وعبد الإله بلقيز وحيدر علي وآخرون.
لا مجال لاستعراض الأوراق التي قدمت ولا المناقشات العميقة التي دارت، ليس فقط لأن الحيز المتاح لا يحتمل ذلك، ولكن لأن ما استوقفني في جو المؤتمر، وما دعاني إلى إعادة فتح ملفه، هو الشطط الذي مارسه بعض المشاركين من غلاة العلمانيين والشيوعيين فعكّروا أجواءه. إذ برغم أن فكرة الحوار انطلقت من قبول كل طرف بالآخر، والتسليم بحقه في قناعاته واحترام مشروعه الفكري، إلا أن أولئك النفر من المشاركين صوبوا سهامهم صوب مشروع الطرف الاسلامي، ومن ثم عادوا إلى التشكيك في أمور تم تجاوزها، مثل موقف الإسلام من الديمقراطية، ومن غير المسلمين، والمرأة، وفكرة الدولة الاسلامية. ولم تكن تلك المداخلات بمثابة اسئلة تسعى الى استجلاء هذه الأمور من الطرف الإسلامي، لكنها جاءت أحكاما قائمة على عدم معرفة بالتعاليم والاجتهادات المختلقة بشأنها، وعلى انتقاء للسوابق التاريخية. فسمعنا لمن قال إن الدولة الإسلامية مصطلح تفجيري، وأن العلمانية هي الطريق الوحيد الذي لا طريق سواه لتحقيق الديمقراطية. وأنه لا يمكن أن تقوم للديمقراطية قائمة في الدول الاسلامية التي تقوم على مرجعية الشريعة. وقال آخر إن موقف القرآن من المرأة يتسم بالتناقض.
ترددت في أكثر من مداخلة الدعوة إلى ما سمي بخصخصة الدين، بمعنى اعتباره شأنا خاصا بالفرد وضميره، ولا علاقة له بالمجال العام، وهي الرؤية التي ينطلق منها العلمانيون. وفي سياق الغمز من قناة العمليات الاستشهادية وقف أحد الباحثين ليعلن أن الاستشهاديين يعانون من الكبت الجنسي، وأن التحقيق في أمر بعضهم في المغرب العربي بيَّن أنهم حين يذهبون لأداء مهامهم، فإنهم كانوا يوجهون عناية خاصة لحماية أعضائهم الذكرية، حتى يتمكنوا من استخدامها وهي سليمة مع الحور العين في الجنة، الأمر الذي بدا وكأنه تفسير جنسي لتاريخ الشهادة عند المسلمين!
مثل هذا الكلام لم يعبر عن روح وفاقية، ناهيك من استخفافه بعقول السامعين. وأسوأ ما فيه أن الآراء التي أطلقت في سياقه انبنت على أحكام مسبقة ترفض فهم وجهة نظر الطرف الآخر، الأمر الذي حول الحوار في بعض مشاهده الى محاكمة، المدعي فيها هو القاضي، الذي دخل إلى القاعة وفي جيبه حُكم الإدانة.
كل ما قيل كان ممكناً الرد عليه وتفنيده، وهو ما تم في بعض الحالات، لكن هذا المسار كان يعود بنا الى ما قبل مؤتمر 89، حين كانت الشكوك متبادلة وحين تصور البعض ان احد الطرفين ـ القومي أو الإسلامي ـ ينبغي أن يتنازل عن مشروعه. صحيح أن مشاهد الغمز والتجريح في التوجه الإسلامي كانت قليلة، ولكنها أطلقت روحا من خيبة الامل في المؤتمر، دفعت ببعض ممثلي التيار الاسلامي الى الاعتقاد بعدم جدوى الحوار.
أيا كان حجمُ ما قيل وقيمته، فإنه غدا نقطة سوداء في صفحة التفاهم والوفاق بين التيارين الإسلامي والقومي. وهو ما أدهش الإسلاميين واستفز المعتدلين من القوميين. لكن الأمر مع ذلك لم يخل من إيجابية، لأن الطرفين أدركا أنهما في صف واحد وأن لهم مشكلة أخرى مع التطرف العلماني ينبغي أن يحسم أمرها لكي يتواصل الحوار ويثمر، ولكي نرى نقطة في نفقنا المظلم

مليارات لتصفية المقاومة -- عبدالباري عطوان

الثلاثاء، 18 ديسمبر، 2007

مليارات لتصفية المقاومة
عبد الباري عطوان
18/12/2007
وعدت الجهات المانحة التي شاركت في اجتماع باريس يوم امس بتقديم مساعدات مالية الي السلطة الفلسطينية يصل مجمل قيمتها الي سبعة مليارات ونصف المليار دولار، اي اكثر بملياري دولار من مطالبها في طفرة كرم حاتمية تثير العديد من الشكوك وعلامات الاستفهام حولها، والثمن الذي سيدفعه الشعب الفلسطيني مقابل ذلك.
لا اعتراض علي تقديم اموال الي سلطة الرئيس محمود عباس في رام الله، شريطه ان لا تكون عبارة عن رشوة للتنازل عن بعض الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني او مقدمة لاجتياح الدبابات الاسرائيلية لقطاع غزة وارتكاب مجازر جديدة تحت ذريعة انهاء دولة حماس او وقف اطلاق الصواريخ علي بلدة سديروت.اسرائيل ستكون المستفيد الاكبر من هذه الاموال سواء بشكل مباشر او غير مباشر. فهي تسيطر عملياً علي الضفة الغربية وتحاصر قطاع غزة. وتشكل المنطقتان سوقا خصبة لبضائعها ومنتوجاتها الصناعية، وأي ازدهار اقتصادي فيهما يعني التوسع في الاستهلاك والمزيد من الاستيراد لهذه المنتوجات.مضافاً الي ذلك ان الدول المانحة تعفي الدولة الاسرائيلية من واجباتها القانونية باعتبارها دولة محتلة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن السكان والمناطق الخاضعة لاحتلالها بمقتضي معاهدة جنيف الرابعة بشأن اسري الحرب، بما في ذلك توفير الخدمات والأمن والوظائف.
المساعدات المالية هذه ستذهب الي الرئيس عباس ولتمويل خطة وضعها رئيس وزرائه سلام فياض الذي جاء لفترة مؤقتة واستثنائية وتحول الي رئيس وزراء دائم، بل اكثر قوة ونفوذاً من رئيس السلطة بحكم علاقاته الوثيقة مع الادارة الامريكية والدول الاوروبية، والمؤسسات المالية الدولية.
خطة السيد فياض التي تقدم بها الي مؤتمر الدول المانحة، وحملت عنوان التنمية والاصلاح تهدف الي تحقيق اربعة اهداف رئيسية، هي الحكم الرشيد، التنمية الاجتماعية (الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية)، دعم القطاع الخاص، واعادة بناء البني التحتية للاقتصاد الفلسطيني.
الحكم الرشيد يعني اقامة دولة المؤسسات علي اسس ديموقراطية، وتوسيع دائرة المشاركة في السلطة، ولا نعتقد ان ما تمارسه حكومة رام الله يجسد هذه الطموحات. فالسيد فياض تحول الي مؤسسة في حد ذاته رغم انه يمثل كتلة من عضوين من مجموع مئة وخمسة ثلاثين عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني، وحكومته لم تقر من هذا المجلس ولا اي مؤسسة شرعية فلسطينية اخري غير الرئيس عباس والادارة الامريكية، اذا اعتبرنا الاخيرة كذلك.
وكيف يكون هذا الحكم رشيدا وهو يتجاهل بالكامل قطاع غزة الذي يمثل ثلث مجموع ابناء الداخل، ويشير الي هؤلاء في خطته هذه علي انهم غزيون بينما يشير الي ابناء الضفة الغربية كمواطنين فلسطينيين، في تفرقة غير مسبوقة في تاريخ الشعب الفلسطيني وتاريخه النضالي؟
في جميع دول العالم تقطع الحكومة رواتب الموظفين الذين يتغيبون او يضربون عن العمل، الا حكومة السيد فياض التي تفعل عكس ذلك تماما، فهي تدفع الرواتب للموظفين الذين يجلسون في بيوتهم ولا يلتحقون بوظائفهم في دوائر السلطة في قطاع غزة. واي موظف يذهب الي مقر عمله، او يطلق لحيته تبادر هذه الحكومة الي قطع راتبه فورا، حتي لو كان من ابناء تنظيم فتح . فأين الحكم الرشيد من هذه الممارسات؟ومن المفارقة ان خطة السيد فياض طلبت من الدول المانحة رصد مبلغ مقداره 400 مليون دولار لبرامج الحكم الرشيد هذا مقابل 500 مليون دولار للبرامج الاجتماعية مثل التعليم والصحة والخدمات الاساسية.
وحتي لو افترضنا ان هذه الرشوة المالية الكبري غير ملغومة ، وخالية من اي شروط، فكيف ستعطي ثمارها في اخراج الاقتصاد الفلسطيني من كبوته الحالية في ظل القيود التي تفرضها السلطة الفلسطينية علي الفلسطينيين وتحركاتهم في الضفة الغربية، مثل وجود 500 حاجز، ومئة وثلاثين مستوطنة غير شرعية ، عدا المستوطنات الاخري الشرعية التي اقيمت بإذن من الحكومة الاسرائيلية؟
الاموال هذه ستكون من نصيب فئة محدودة جدا من حيتان القطاع الخاص، وبعض الملتفين حول مكتب الرئيس عباس، والمنتفعين من سلطته، اما باقي افراد الشعب الفلسطيني فلن تتغير اوضاعهم لان ما سيبقي لهم هو الفتات فقط.
هذه الاموال مخصصة نظريا للضفة والقطاع، وسمعنا السيد عباس يتحدث بتأثر شديد عن حصار القطاع، وكادت الآنسة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية تبكي بحرقة اثناء خطابها في المؤتمر وهي تتحدث عن معاناة ابنائه، ولكن لم يقل لنا اي منهما كيف سيتعامل مع الوضع الحالي في هذا القطاع، وكيف ستصل اليه الاموال في ظل حكومة حركة حماس المرفوضة امريكيا واسرائيليا وعباسيا؟
هناك سيناريوهان للخروج من المأزق الحالي الذي اسمه قطاع غزة، الاول ان يجري حوار بين سلطة السيد عباس وسلطة السيد اسماعيل هنية في غزة يقود الي اتفاق مصالحة، واعادة اللحمة بين المناطق المحتلة مجددا تحت حكومة وحدة وطنية قوية، والثاني هو اجتياح اسرائيلي يعتقد مهندسه ايهود باراك انه سيتمكن من خلاله من القضاء علي حماس وفصائل المقاومة الاخري، واعادة القطاع الي سلطة رام الله علي طبق من الدماء.
السيناريو الاول اي العودة الي الحوار مستبعد تماما، لان اسرائيل خيرت عباس بين الحوار معها او حماس ، فاختار الاول، وأدار ظهره للثاني تماما، ووضع بيضه في سلة مؤتمر انابوليس والمفاوضات التي ستنبثق عنه علي امل الوصول الي الدولة الفلسطينية التي يريدها، وايا كان شكلها وصورتها. ولذلك فان سيناريو الاجتياح هو الارجح، وقد هدد باراك امس بانه سينهي مسألة اطلاق الصواريخ من قطاع غزة بشكل نهائي.
الاربعون مليارا التي حصلت عليها الحكومات المصرية المتعاقبة بعد اتفاقات كامب ديفيد بمعدل ملياري دولار سنويا كانت ثمنا لعزل مصر، وفك ارتباطها العسكري بالقضية الفلسطينية، والمليارات التي سيحصل عليها الرئيس عباس ورئيس وزرائه سلام فياض هي مقابل التخلي عن حق العودة ومعظم اراضي القدس المحتلة، والقبول بالمستوطنات الاسرائيلية الكبري التي تحيط بها.
نضع ايدينا علي قلوبنا، لان ما يجري حاليا هو في اطار اتفاقات سرية، وتطبيق لدراسات مفصلة اعدت مسبقا بتمويل غربي للتمهيد لحل الدولتين، احدثها اعدتها مؤسسة (AIX) التي تتحدث بالتفصيل الممل عن كيفية تطبيق هذه الاتفاقات علي الارض، اعدها فريقان احدهما اسرائيلي برئاسة البروفسور ايري ارنون من جامعة بن غوريون، والآخر فلسطيني برئاسة صائب بامية وكيل وزارة الاقتصاد في السلطة الفلسطينية، وبرعاية البروفسور جلبرت بن حيون من جامعة بول شيزان، وموّلت المجموعة وزارة الخارجية الفرنسية.
تقرير المجموعة تحت ايدينا، ويتضمن تفاصيل مرعبة عن الغاء حق العودة باعتباره غير عملي، ويرصد ثمانين مليار دولار لتوطين وتعويض اللاجئين.
مرة اخري نقول انه كرم امريكي اوروبي ملغوم ان لم يكن مسموما، قد يكون عربونا علي ثمن التنازل مقدما عن ما تبقي من فلسطين والثوابت الوطنية

المسكوت عنه في قضية الدعم -- فهمي هويدي

صحيفة الأهرام المصرية الثلاثاء 9 ذى الحجة 1428 هـ 18 ديسمبر 2007 م
المسكوت عنه في قضية الدعم
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي

التبس الامر علينا‏,‏ إذ بعدما تصورنا الدعم حلا لمشكلة‏;‏ فإننا فوجئنا هذه الايام بأنه ذاته أصبح مشكلة تبحث عن حل‏...!‏

(1)
‏ في معاجم العرب فإن الدعم يقصد به السند الذي يحول دون الميل أو الوقوع‏,‏ وعند ابن منظور في لسان العرب فإن دعم الشيء إقامته إذا مال‏,‏ والداعم هو القادر وذو المال الكثير‏,‏ وعند صاحب المحيط فإن الدعم أن تقيم المائل وتقويه بدعامة تدعمه من خلفه‏,‏ وهو نفسه ما يقوله صاحب المنجد‏,‏ فدعم الشيء سنده لئلا يميل وأعانه وقواه‏,‏ وأدعم اتكأ علي الدعامة واستند‏,‏ ودعامة القوم سيدهم‏.‏

والدعم في الاقتصاد ليس منة من أحد ولا منحة‏,‏ ولكنه بعض الواجب الذي ينبغي أن تنهض به الدولة لحماية الضعفاء والمهمشين‏,‏ وهو يمثل المبالغ التي تدفعها الدولة‏,‏ بصورة مباشرة أو غير مباشرة‏,‏ لكي تقدم السلع والخدمات بأسعار تقل عن تكلفتها الحقيقية‏,‏ لكي تخفف علي أولئك الضعفاء أعباء الحياة وتعينهم عليها‏.‏

وفي التعريف الاقتصادي ينصرف الدعم إلي المبالغ المدفوعة فعلا‏,‏ أما الفرق بين السلعة تنتج محليا وبين قيمتها بالأسعار العالمية‏(‏ كما هو الحاصل في البترول مثلا‏),‏ فلا يعد دعما‏,‏ وإنما هو فروق أسعار أو فرص ضائعة‏,‏ وكما يقول الدكتور سلطان أبو علي وزير الاقتصاد الأسبق‏,‏ فإنه لا يجوز اعتبار هذه الفروق دعما‏,‏ إلا إذا احتسبت جميع الأسعار بهذه الطريقة‏,‏ بما فيها الأجور والرواتب‏.‏

تقليديا فإن الدعم المالي كانت تقدمه الدولة لتوفير المواد الغذائية الأساسية للناس‏,‏ مثل الخبز والسكر والزيت‏,‏ بالإضافة إلي دعم القروض الميسرة للإسكان الشعبي ودعم المزارعين وألبان الأطفال والأدوية وغير ذلك‏,‏ وحتي سنة ألفين فإن قيمة هذا الدعم كانت في حدود خمسة مليارات جنيه سنويا‏,‏ وابتداء من سنة‏2005‏ وصلت قيمة الدعم في الموازنة إلي أكثر من عشرة أضعاف ذلك الرقم‏(‏ نحو‏54‏ مليار جنيه‏),‏ وقدر في موازنة العالم المالي الجديد‏(2008/2007)‏ بمبلغ‏64.46‏ مليار جنيه‏,‏ وهو مبلغ يعادل ربع المصروفات في الموازنة‏(241.500‏ مليار جنيه‏),‏ وهذا المبلغ مرشح للزيادة حسبما أعلن وزير المالية في لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب‏,‏ علي نحو سيصل به إلي‏35%‏ أو أكثر من المصروفات‏,‏ الأمر الذي يحول الدعم إلي مشكلة تنوء بحملها ميزانية الدولة‏.‏‏

(2)
‏ من أين جاءت المشكلة؟ هناك ثلاثة مصادر أساسية للمشكلة هي‏:‏‏

*‏ أنه حدث تغير جوهري في بنود الميزانية ابتداء من عام‏2006,‏ بمقتضاه أدخلت المنتجات البترولية ضمن السلع المدعومة‏,‏ برغم أن‏80%‏ منها ينتج محليا ولا يحمل الدولة سوي سعر تكلفة الإنتاج‏,‏ و‏20%‏ فقط يتم شراؤه بالأسعار العالمية‏,‏ وجري حساب كل ما يستهلك بالسعر العالمي‏,‏ الأمر الذي أضاف إلي خانة الدعم في الموازنة‏36.500‏ مليار جنيه قيمة الدعم الضمني للنفط والغاز‏.‏ الأمر الثاني أنه في العام التالي مباشرة تمت إضافة الكهرباء التي تنتجها المحطات المحلية إلي قائمة السلع المدعومة‏,‏ بعد احتساب قيمتها بالأسعار العالمية أيضا‏,‏ مما حمل البند بمبلغ ملياري جنيه جديدة‏,‏ وكان من الطبيعي أن يقفز رقم الدعم حاليا بعد هاتين الإضافتين‏.‏‏

*‏ أن الأسعار العالمية للسلع ارتفعت بمعدلات لم تكن في الحسبان‏,‏ فالسلع التموينية الأساسية كالخبز والسكر والزيت‏,‏ بالإضافة إلي الأرز والعدس والفول‏,‏ كان ينفق عليها ثلاثة مليارات و‏670‏ مليون جنيه عام‏2001,‏ ووصل الرقم إلي أكثر من تسعة مليارات في عام‏2007,‏ وفي العام الأخير فإن طن القمح الذي احتسب في الموازنة بمبلغ‏200‏ دولار وصل سعره في السوق العالمية إلي‏350‏ دولارا‏.‏‏

*‏ أن ميزانية الدولة أصبحت تعاني عجزا كبيرا يتزايد كل عام‏,‏ نتيجة لزيادة المصروفات علي الإيرادات‏,‏ وهذا العجز قدرت قيمته في العام الجديد بنحو‏70‏ مليار جنيه‏,‏ وهو مبلغ يقارب قيمة الدعم المرصود بالموازنة في وضعها الأخير‏,‏ من شأن استمرار ذلك العجز أن تحمل الأجيال المقبلة بأعباء القروض التي تتم لتغطيته‏.‏ وهو ما يعاقبها بأوزارنا ويضيف إليها أثقالا لا ذنب لها فيها‏,‏ وحين ارتأي البعض أنه من الممكن تخفيض العجز عن طريق التخفيف من أعباء الدعم فإن المنطق لم يختلف كثيرا عمن حاول أن يتجنب حفرة فوقع في بئر‏,‏ لأن من شأن تخفيف الدعم أن يثقل كاهل الفقراء‏,‏ الأمر الذي قد تكون له آثاره الاجتماعية غير الحميدة‏.‏‏

(3)
‏ للمشكلة أبعاد أخري لا تظهرها الأرقام‏,‏ ذلك أن الدعم الذي تأسست فكرته علي مساندة الذي مال حاله‏,‏ أصبح نهبا للذي فسدت ذمته وكثر ماله‏,‏ ذلك أن ثمة قرائن دالة علي أن الدعم بصورته الراهنة يستفيد منه الأثرياء والوسطاء بأكثر مما يستفيد المعوذون والفقراء‏,‏ وعند الحد الأدني فإن الأولين أصبحوا يزاحمون الأخيرين في الدعم ويستأثرون بقدر منه لا يستهان به‏..‏ كيف؟

تلقيت رسالة من المهندس أشرف بدر الدين عضو مجلس الشعب وعضو لجنة الخطة والموازنة تجيب علي التساؤل من خلال التفرقة بين الدعم المقدم للمواد التموينية الأساسية‏,‏ وذلك الذي ينسب إلي المواد البترولية والكهرباء‏.‏ فالمواد التموينية التي تدعم بتسعة مليارت ونصف المليار جنيه‏,‏ منها خمسة مليارات إلا ربعا للخبز وحده‏,‏ تتعرض دائما للعبث والنهب‏,‏ خصوصا الخبز‏,‏ ذلك أن عصابات التجار بالتواطؤ مع مفتشي التموين تسطو علي الدقيق وتتولي بيعه في السوق السوداء‏,‏ حتي إن جوال الدقيق الذي يحصل عليه صاحب المخبز بـ‏16‏ جنيها أصبح يباع في السوق السوداء بمبلغ‏280‏ جنيها‏,‏ سواء لأصحاب محال الحلويات أو لتجار علف الحيوانات الذين وجدوا أن الخبز حين يقدم للماشية أرخص من العلف الذي يباع في السوق‏,‏ وحين يجد صاحب الخبز أن الجوال إذا حوله إلي أرغفة فإنه يكسب فيه‏25‏ جنيها بعد خصم أجرة المكان والعمالة‏,‏ في حين أن بوسعه أن يبيعه في السوق السوداء بأكثر من‏17‏ ضعفا لقيمته الحقيقية‏,‏ فإنه لا يتردد في تسريب الأجولة التي يتلقاها إلي تلك السوق بأي وسيلة‏.‏

ومن الملاحظات الطريفة في هذا الصدد أنه حين تم إعدام أعداد كبيرة من الطيور في الشتاء الماضي‏,‏ ضمن إجراءات مكافحة انفلونزا الطيور‏,‏ فإن الخبز توافر بكثرة في الأسواق‏,‏ لأن التجار لم يجدوا مبررا لشرائه بعد التخلص من الطيور‏.‏

أشار المهندس أشرف إلي دراسة مهمة أجراها المركز المصري للدراسات الاقتصادية عالجت موضوع دعم المواد البترولية والغاز الطبيعي‏,‏ وسلطت الضوء علي بعض حقائقه المثيرة‏,‏ من تلك الحقائق مثلا أن ذلك الدعم يتجاوز بكثير ما ينفق علي مجالات الخدمات التي تقدم إلي عامة الناس‏,‏ فهو يعادل‏146%‏ من مخصصات التعليم‏,‏ و‏439%‏ بالنسبة للصحة‏,‏ و‏231%‏ بالنسبة للدفاع‏.‏

من تلك الحقائق المثيرة أيضا أن المصانع الكبري التي تستخدم الطاقة بكثافة‏,‏ مثل مصانع السماد والأسمنت والحديد وغيرها‏,‏ تحقق أرباحا سنوية تتراوح بين‏20%‏ و‏40%,‏ ومع ذلك فإنها تتلقي دعما للطاقة لا مبرر له‏,‏ فالحكومة تقدم‏30‏ جنيها دعما للطاقة اللازمة لإنتاج طن الأسمنت‏,‏ في حين أن الشركات المنتجة‏(95%‏ منها أجنبية‏)‏ تربح ما يزيد علي‏200‏ جنيه في الطن‏,‏ وهي تدعم إنتاج طن الحديد بمبلغ‏36.5‏ جنيه‏,‏ في حين أن ربحه‏1300‏ جنيه‏,‏ كما تدعم إنتاج كل طن للسماد بمبلغ‏167‏ جنيها‏,‏ في حين أن ربحية الطن تتجاوز‏1500‏ جنيه‏.‏

ذكرت الدراسة أيضا أن قطاع السياحة يستهلك‏22%‏ من الديزل‏,‏ أي أنه يتلقي دعما من المنتجات البترولية بقيمة تتجاوز‏3‏ مليارات و‏600‏ مليون جنيه‏,‏ علما بأن دعم البنزين بمختلف أنواعه في حدود‏4‏ مليارات جنيه‏,‏ كما أن دعم الغاز الطبيعي يقدر بنحو‏22‏ مليار جنيه‏(‏ منها‏5‏ مليارات دعما للغاز المصدر إلي أمريكا وفرنسا وانجلترا واسبانيا وإسرائيل‏).‏

أضافت الرسالة أن حفنة من رجال الأعمال والمستثمرين يحصلون علي دعم مباشر آخر تحت مسمي تنشيط الصادرات قدرت قيمته في موازنة العام الحالي بملياري جنيه بغير عائد يذكر‏.(‏ ذكر تقرير البنك المركزي أن الصادرات المصرية غير البترولية تراجعت في العام الماضي بنسبة‏3.5%).‏ ومن المفارقات في هذا الصدد أن مبلغ الدعم المخصص لمعاش الضمان الاجتماعي الذي تستفيد منه أكثر من مليون أسرة يقدر بنحو نصف هذا المبلغ‏,‏ إذ هو في حدود مليار ومائة مليون جنيه فقط لا غير‏.‏

لم تكن هذه هي المفارقة الوحيدة‏,‏ لأن بنود الميزانية حافلة بمفارقات أخري‏,‏ منها مثلا أن اتحاد الإذاعة والتليفزيون حصل في ميزانية العام الحالي علي دعم تجاوز مليارا ونصف المليون جنيه‏,‏ منها مليار جنيه عبارة عن خسائر تتحملها الدولة‏!‏‏

(4)
‏ ما العمل؟ الإجابة ليست سهلة‏,‏ والخبراء الذين تحدثت إليهم في الموضوع لهم آراء كثيرة‏,‏ تستحق أن تناقش وتصفي في لقاء أتمني أن يرتب بينهم وبين المسئولين عن القرار الاقتصادي‏,‏ وأرجو ألا أكون مخلا بآرائهم إذا اختصرت أبرزها في النقاط التالية‏:‏‏

*‏ أن دعم الخبز والسلع الأساسية ينبغي ألا يمس‏,‏ وبدلا من أن تبذل الدولة جهدا مضنيا لتحديد الأعداد الهائلة من المستحقين‏,‏ لماذا لا تبذل عشر معشار ذلك الجهد في الضرب بيد من حديد علي المافيات التي تعبث بقوت الناس‏,‏ وأزعم أنه لو حوسب هؤلاء بنفس الشدة التي يحاسب بها الذين يقدمون لمحاكم أمن الدولة لحل الإشكال‏,‏ وانفرجت الأزمة‏.‏

‏*‏أن الطاقة ينبغي أن يستمر دعمها لجماهير المستهلكين العاديين‏,‏ ولا محل لبيعها بالسعر المدعم لذوي الدخول المرتفعة وأصحاب المصانع الكبيرة الذين ثبت أن أرباحهم الكبيرة لن تتأثر كثيرا إذا حصلوا علي الكهرباء والغاز والبنزين بأسعارها العالمية غير المدعومة‏.‏‏

*‏ أن السياسة الاقتصادية بحاجة إلي إعادة نظر من جوانب عدة في مقدمتها الاهتمام بقضية الإنتاج‏,‏ ومكافحة التهرب الضريبي‏,‏ بعدما تبين أن الفقراء ومتوسطي الحال يدفعون حصة منها تتجاوز ما يدفعه أكابر رجال الأعمال وحيتان السوق في مصر‏,‏ كما يشدد أولئك الخبراء علي أهمية مراجعة أوجه الإنفاق وإيقاف الهدر غير المبرر فيها‏.‏

من غريب ما سمعت في هذه النقطة الأخيرة أن مصر التي تدفع‏22‏ مليار جنيه دعما للغاز الطبيعي تنتج غازا يكفي الاستهلاك المحلي‏,‏ لكنها وقعت اتفاقيات مجحفة مدتها‏25‏ سنة‏,‏ تلزمها بشراء حصة الشريك الأجنبي في عملية الإنتاج‏,‏ وبمقتضي تلك الاتفاقات فإن ذلك الشريك يأخذ حصته من الغاز بالسعر القديم والثابت‏,‏ في حين تشتريها منه مصر بالأسعار العالمية المتزايدة‏,‏ ولكي تشتري الغاز فلابد من تسييله الذي تتحمل مصر مسئوليته‏,‏ وقد أنشئت عدة محطات تسييل لهذا الغرض‏,‏ تكلفة واحدة منها فقط‏(‏ في ادكو‏)25‏ مليار جنيه‏!‏

لكثرة وأهمية الملاحظات التي سمعتها من الخبراء الاقتصاديين فإنني اقتنعت بأن سياسة الحكومة التي تتصدي لقضية الدعم هي نفسها أولي بالمراجعة والدعم‏.

رياح جديدة تهب على العالم العربي - فهمي هويدي

الأربعاء، 12 ديسمبر، 2007

صحيفة الشرق الأوسط الدوليه الأربعاء 3 ذى الحجة 1428 هـ 12 ديسمبر 2007م
رياح جديدة تهب على العالم العربي
فهمي هويدي


ثمة إشارات تدل على أن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على وضع جديد، مختلف عن الوضع المشدود الذي عاشت في ظله خلال الأسابيع السابقة. من السابق لأوانه أن نتحدث عن «انفراج»، وهو أمر لا يبدو قريباً، ولكن أزعم أننا بصدد وضع مختلف، يتشكل في الوقت الراهن من الإشارات التي أدعيها تتمثل في أربعة أمور هي:
* تقرير المخابرات المركزية الأمريكية الذي تحدثت فيه عن أن إيران أوقفت برنامجها العسكري النووي منذ أربع سنوات، الأمر الذي يعني ان المخاوف التي اثيرت بخصوص المشروع الإيراني لم يعد لها محل في الوقت الراهن. صحيح أن التقرير لن يغير من نظرة الإدارة الأمريكية لإيران واعتبارها خطرا يتعين إزالته لكنه بكل تأكيد سيجعل موقف إدارة الرئيس بوش صعباً للغاية أمام الكونغرس وأمام الرأي العام، إذا ما أراد أن يوجه ضربة عسكرية لإيران، بل إن الإدارة الأمريكية أصبحت بعد التقرير تواجه صعوبة في استصدار قرار من الأمم المتحدة بتشديد العقوبات على إيران. هذا ما صرح به المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة زلماي خليل زاد. وإذا كان ذلك القرار قد أصبح صعبا فما بالك بما هو أكبر منه وأخطر.
عند الحد الأدنى فإن التقرير أوقف مساعي التصعيد العسكري الأمريكي في مواجهة إيران وأسفر عن تراجع أولوية الضربة العسكرية في الوقت الراهن. ولا أستبعد أن يكون الرئيس الأمريكي قد اختار في نهاية المطاف أن يرحل الملف الإيراني لخلفه الذي يفترض أن ينتخب في العام القادم، بعد ما تزايدت الضغوط في أوساط القيادات العسكرية الأمريكية والقيادات السياسية الرافضة بتكرار الكارثة العراقية ونقلها من بغداد إلى طهران. وهناك تسريبات أمريكية تقول إن الرئيس بوش أدرك خطورة الخطوة التي كان مقدما عليها وأراد ان يتراجع في قراره توجيه الضربة العسكرية فغطى نفسه بالتصريح للمخابرات بإخراج التقرير إلى النور.
وسواء أرادت المخابرات المركزية أن تخلي مسؤوليتها وتبرئ ذمتها أمام الرأي العام حتى لا تتكرر خطيئة العراق، أم أن الرئيس بوش أراد أن يغطي موقفه متذرعاً «بمفاجأة» التقرير، لكي يعدل عن قرار توجيه الضربة العسكرية، فالشاهد أن التقرير أعلن على الملأ وأحدث أصداءه في كل اتجاه، من الامم المتحدة الى منطقة الخليج التي أحسب أن مخاوفها من انطلاق الحرب قد تبددت بصورة نسبية، وإذا صح ذلك فإنه سيكون باباً يستدعي أسئلة أخرى من قبيل: كيف يكون صدى ذلك في إيران على الصعيدين الداخلي والخارجي؟ أعني أن ما جرى يمكن احتسابه باعتباره نقطة لصالح الرئيس أحمدي نجاد وفريقه يمكن أن تفيده ومجموعة القوى المحافظة التي تسانده، وتحسن مركزهم في انتخابات مجلس الشورى القادمة في شهر مارس القادم، ثم ماذا سيكون صدى ذلك في العلاقات الإيرانية الأمريكية، وهل يمكن أن تؤدي التهدئة النسبية إلى إحداث ثغرة في جدار العلاقات تؤدي إلى تفاهم أمريكي إيراني يحتاجه الطرفان سواء لتهدئة الأوضاع في العراق وأفغانستان، أو للتخفيف من حدة الحصار المفروض على إيران؟ وهناك سؤال آخر في منتهى الأهمية هو ماذا سيكون موقف إسرائيل في هذه الحالة التي هي الطرف الأساسي في هذا الملف الذي يزعجه بأكثر من غيره تقدم المشروع النووي الإيراني، وهل سيدفعها ذلك إلى القيام من جانبها بالضربة العسكرية التي كانت تنشدها، ليس فقط لإجهاض المشروع والتفرد بالقوة في المنطقة، ولكن أيضاً لكي تسترد الهيبة التي فقدتها حين هزمت من جانب حزب الله في صيف العام الماضي.
* الأمر الثاني يتمثل في حل العقدة اللبنانية بالتوافق بين الأطراف المختلفة، صحيح أن العقدة لم تنحل تماماً، لأنه حتى كتابة هذه السطور فإن الشق الذي انحل هو ما يخص رئاسة الجمهورية، في حين أن اللغط لا يزال مستمراً حول رئاسة الحكومة وبعض الملابسات السياسية الأخرى (قانون الانتخابات مثلاً) وما يهمنا في هذه النقطة هو أن المشروع الأمريكي في لبنان كان له هدف محدد، هو تغليب طرف على آخر بما يؤدي في نهاية المطاف الى تجريد حزب الله من سلاحه، وقطع الطريق على أي تفاهم مع دمشق، ومن ثم إضعاف الدور الإيراني في المنطقة، وفي الوقت ذاته مد الجسور بين اسرائيل ولبنان لتوسيع نطاق معسكر «الاعتدال» في العالم العربي، المحتشد مع اسرائيل في مواجهة إيران. ذلك كله لم يتحقق لأن التحول المركزي فيه لم يقع. أعني أنه لم يحدث أن تم تغليب طرف على آخر، وإنما توافق الطرفان على موضوع الرئاسة وقطعا شوطاً لا بأس به في التفاهم حول الحكومة وبقية الملفات. وليس بوسعنا أن نقول من انتصر في معركة ليّ الذراع، ولكننا نستطيع أن نقول ان الطرفين لم يهزما وأن المراهنة الأساسية ـ الأمريكية والإسرائيلية ـ على محاصرة حزب الله وكسر إرادته لم تقع. وبالتالي فإن المخاوف الشديدة التي برزت من جراء حدوث ذلك الاحتمال تراجعت بدورها إلى حد كبير، وكان الرابح من كل ذلك هو لبنان في التحليل الأخير.
* الأمر الثالث هو إعادة بعض الحيوية إلى خط عمان دمشق، الذي كان قد انقطع تماماً في الآونة الأخيرة وتمثل ذلك في زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله لدمشق قبل انعقاد مؤتمر أنابوليس ثم في زيارة وزير الخارجية السوري لعمان هذا الاسبوع واجتماعه مع رئيس الوزراء الأردني. ذلك في القدر المعلن على الأقل. هذه العودة النسبية تكسر طوق الحصار السياسي الذي فرض على سوريا، وتطوي إلى حد ما صفحة الادعاء بضلوعها فيما سمي ذات مرة بالهلال الشيعي، وتفتح الطريق لتفعيل الدور السوري في اتجاهات متعددة منها الشأن الفلسطيني واللبناني، ولا أستبعد أن تكون سوريا قد أسهمت في التوافق اللبناني حول شخص رئيس الجمهورية، وهي التي كان لها دورها التاريخي ـ مع مصر والسعودية ـ في التفاهم بهذا الخصوص.
* الأمر الرابع يتمثل في الزيارة التي قام بها للرياض هذا الأسبوع وفد حركة حماس برئاسة خالد مشعل رئيس المكتب السياسي، وهي الزيارة التي ظلت مؤجلة منذ ثلاثة أشهر تقريباً. ورغم أن الاتصالات لم تنقطع طوال الوقت بين قيادة حماس وبين المملكة السعودية التي رعت اتفاق جدة، إلا أنها بعد ما جرى في غزة في منتصف يونيو الماضي لم تعد إلى سابق عهدها، على الأقل من حيث أن تدهور العلاقات بين الطرفين الأساسيين في حكومة الوحدة الوطنية اعتبر نكوصاً عن الاتفاق الذي رعاه الملك عبد الله بن عبد العزيز. وفي حدود علمي فإن مراسلات تمت بين قيادة حماس وبين الرياض، تم خلالها استيضاح بعض الأمور فيما تم، واستجلاء آفاق المستقبل، الأمر الذي انتهى بموافقة الرياض على استقبال وفد حماس وليس بوسعنا أن نتنبأ بنتائج هذه الزيارة، ولكننا نستطيع القول بأنه في ظلها تم وصل ما انقطع بصورة نسبية بين الجانبين، كما اننا لن نشتط او نذهب بعيداً اذا قلنا ان موضوعها الأساسي هو تهيئة الأجواء لاستعادة الحوار بين فتح وحماس الذي لا بد أن يسهم في الحد من أثر الكارثة التي أصابت العصب الفلسطيني في مقتل، وإيقاف التدهور الخطير للأوضاع الانسانية في غزة.
لا غضاضة في أن تكون هذه تمنيات ولكني أحسبها رؤية للنصف الملآن من الكأس تعطينا أملاً في ان نستقبل في العام الجديد بعض المؤشرات الإيجابية في العالم العربي، الذي امتلأ أفقه بالسحابات الكثيفة والسوداء وهي مؤشرات إذا لم توح بإمكانية تحسن أوضاعنا، فهي على الأقل تبشرنا بأن المراهنات الشريرة على قلب الأوضاع في المنطقة قد فشلت، أو في سبيلها إلى ذلك

ملاحظات علي المراجعات -- فهمي هويدي

الثلاثاء، 11 ديسمبر، 2007

صحيفة الاهرام المصرية الثلاثاء 2 ذى الحجه 1428 هـ 11 ديسمبر 2007 م
ملاحظات علي المراجعات
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي

القضايا التي تطرحها مراجعات الجهاديين أهم بكثير من المحتوي الذي قدمته‏,‏ الأمر الذي يدعونا بدورنا إلي مراجعة الكثير من مواقفنا وحساباتنا‏.‏‏

(1)‏
في منتصف الخمسينيات حين كان الشيخ محمد أبوزهرة يلقي علينا محاضراته في الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق‏,‏ سألنا ذات مرة عن الفرق بين المسلم الكيس الفطن‏,‏ والمسلم كيس القطن‏,‏ ولم ينتظر منا إجابة لأنه أجاب قائلا‏,‏ إن الفرق بين الاثنين هو ذاته الفرق بين المسلم الذكي والمسلم الغبي‏,‏ وقد تطرق الي الموضوع حين استطرد ذات مرة ليشرح لنا مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ فقال إن المسلم الغشيم هو الذي يندفع الي محاولة التغيير باليد لشيء لا يقدر عليه‏,‏ أو ينهي الناس عن أمر فيتحولون الي ما أسوأ منه‏,‏ وروي لنا في هذه المناسبة قصة ابن تيمية في الشام‏,‏ حين مر علي قوم من التتار كانوا قد شربوا حتي سكروا‏,‏ فقال له أحد أصحابه لماذا لا تنههم عن شرب الخمر‏,‏ فرد عليه قائلا‏:‏ دعهم كما هم‏,‏


لأنهم اذا أفاقوا عاثوا في الأرض فسادا‏,‏ وخلص من القصة الي أن ابن تيمية استخدم عقله في تعامله مع الواقعة‏,‏ حين وازن بين المصلحة والمفسدة‏,‏ وبين الضرر الأدني والضرر الأكبر‏,‏ وعلم من حوله أن المسلم الكيس والرشيد هو من يملك عقلا يمكنه من إحسان التعامل مع الواقع‏,‏ من خلال ضبط الموازنات وتحديد الأولويات‏,‏ ومراعاة المقاصد والمص الح في نهاية المطاف‏,‏ أما الذي يحفظ النصوص ويتعامي عن الواقع فهو المسلم الغبي‏,‏ الذي لا يختلف في شيء عن كيس القطن‏.‏

هذا الكلام قرأته في كتابات آخرين من الأساتذة والشيوخ‏,‏ من أمثال عبدالوهاب خلاف وسلام مدكور ومحمد مصطفي شلبي ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي‏,‏ الذي كان أكثر من فصل في الموضوع وأصل لفقه الأولويات والموازنات‏,‏ وحين كنت أقلب في كتب الأقدمين كنت أجده مبثوثا في جنباتها بصياغات مختلفة‏,‏ خصوصا في مؤلفات ابن القيم وابن تيمية وأبوحامد الغزالي والإمام الجويني وآخرين‏.‏

ومازلت أحتفظ بكتاب صغير كنت قد قرأته في أوائل الخمسينيات‏(‏ اشتريته بخمسة عشر قرشا‏)‏ حول حق مقاومة الحكومات الجائرة في المسيحية والإسلام‏,‏ لمؤلفه الدكتور محمد طه بدوي‏,‏ الذي كان حينذاك أستاذا مساعدا بكلية التجارة في جامعة فاروق الأول‏(‏ الإسكندرية لاحقا‏),‏ وتحدث عن موقف فقهاء المسلمين من أنظمة الحكم وانحياز أغلبهم الي موقف درء الفتنة‏,‏ اهتداء بمبدأ ترجيح المصلحة علي المفسدة‏.‏

هذه الخلفية استعنت بها فيما كتبته لاحقا‏(‏ قبل ربع قرن‏)‏ عن فقه التغيير والانكار‏,‏ وهي المقالة التي أصبحت فصلا في كتاب صدر لي في عام‏1986‏ تحت عنوان التدين المنقوص‏.‏‏

(2)‏
ما دعاني الي استحضار ذلك التاريخ أنني حين اطلعت علي وثيقة ترشيد العمل الجهادي التي شغلت الرأي العام خلال الأسابيع الأخيرة‏,‏ وكتبها منظر الحركة الدكتور سيد إمام الشريف‏,‏ الذي اشتهر بأسماء أخري‏,‏ وجدت أن الكلام المنشور ليس جديدا علي‏,‏ وانتهيت الي أن ما اعتبرته وسائل الإعلام فتوحات فكرية هو جزء من المعارف التي حصلها أمثالي من الشباب الذين انشغلوا بالشأن الإسلامي منذ نصف قرن علي الأقل‏,‏ بل كان جزءا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية التقليدية لدي أهل السنة والجماعة‏.‏


لم أفاجأ مثلا بالتنويه الي أن التكليف منوط بالعقل والعلم والقدرة‏,‏ ولا بالنهي عن استخدام العنف في مواجهة الحكام ببلاد المسلمين‏,‏ أو بالنهي عن قتل المدنيين المسلمين أو التعرض بالأذي للأجانب السائحين‏,‏ ولم أجد إضافة الي معلوماتي في شأن تكفير المسلمين أو ضوابط وأسس التعامل مع غير المسلمين‏,‏ التي ألفت فيها قبل عشرين عاما كتابي مواطنون لا ذميون‏,‏ وهذه كلها عناوين أساسية في الوثيقة‏,‏ تخلي فيها كاتبها عن الأفكار التي تبنتها مجموعات الجهاد الإسلامي في مشروعها‏,‏ وحين قلت إنها لم تضف الي معلوماتي شيئا فإنني لا أتحدث عن أمر يخصني وحدي‏,‏ وانما قصدت أنها لا تضيف شيئا الي معارف الباحثين المسلمين العاديين‏,‏ ممن نهلوا من منابع ومراجع مدرسة الوسطية الإسلامية التي ينتمي إليها غالبية أهل السنة والجماعة‏.‏

ولا أريد أن أقلل من شأن الوثيقة‏,‏ لأنها تمثل انقلابا في أساسيات مشروع جماعات الجهاد‏,‏ وانتقالا به من فكر الفرقة الي فقه الأمة‏,‏ وهي من هذه الزاوية مهمة للغاية لكل الفصائل التي انخرطت في المشروع وانطلقت من تعاليمه‏,‏ ولا تقل في أهميتها عن مراجعات الجماعة الإسلامية التي صدرت قبل عشر سنوات‏,‏ وكلها تهدر فكرة العنف وترفض التكفير‏,‏ وتتحري سبلا جديدة للتصالح مع المجتمع‏,‏ تتوافق مع ما اصطلحت عليه الأمة وتعايشت في ظله منذ قرون‏,‏ الي جانب ذلك‏,‏ فمن الانصاف أن نشيد بشجاعة الرجل الذي تبني هذه المراجعات‏,‏ ولم يتردد في نقد الأفكار التي سبق أن تبناها‏,‏ مؤثرا العودة الي الحق الذي أدركه‏,‏ بدلا من المضي العوج في الذي بدأه‏.‏‏

(3)
‏ لماذا كان العوج؟ ولماذا كانت المراجعات؟‏..‏ شغلتني إجابة السؤالين بأكثر مما شغلني محتوي الوثيقة برغم أهميته‏,‏ وقد وقعت علي إجابة السؤال الأول في ثنايا دراسة مهمة تضمنها كتاب دليل الحركات الإسلامية‏,‏ الذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام في العام الماضي‏(2006),‏ والدراسة عن منظر حركة الجهاد وصاحب المراجعات التي بين أيدينا الدكتور سيد إمام‏,‏ ونبهت الي انطلاقه من فكر المدرسة السلفية التي تركز علي مفهوم العقيدة‏,‏ ويسيطر عليها تمثل نموذج الفرقة الناجية‏,‏ وهذه المدرسة حين حصرت نفسها في ذلك الإطار فإنها انفصلت عن الواقع وميزت نفسها عنه‏,‏ ومن ثم فإنها نفرت من المجتمع واشتبكت معه‏,‏ فجرحت عقيدته وكان التكفير سبيلها الي ذلك‏,‏ ولأنها الفرقة الناجية‏,‏ ولأن المجتمع في نظرها أصبح مرتدا وفاسد العقيدة‏,‏ والكفر سمة أساسية لكل فئاته ومؤسساته وجماعاته ـ حتي الإسلامية منها ـ فإن مقاتلته وتقويض أركانه غدت رسالة الفرقة الناجية لتطهيره من الضلال الذي وقع فيه‏.‏

هذه هي الفكرة الجوهرية التي سيطرت علي أهم كتاب للدكتور سيد إمام‏,‏ الذي خرج في جزءين‏(‏ ألف صفحة‏)‏ تحت عنوان الجامع في طلب العلم الشريف‏,‏ تولي فيه تأصيل تكفير المجتمع والخروج علي حكامه ومقاتلتهم‏.‏

حدثتنا الدراسة عن أزمتين عاني منهما منظر الجهاديين‏,‏ أولاهما أزمة في الفكر تمثلت في استغراقه في مدرسة السلف واستسلامه لشعار الفرقة الناجية التي استعلت علي كل ما حولها‏,‏ وثانيتهما أزمة لدي الشخص الذي استقال غاضبا من قيادة تنظيم الجهاد في عام‏1993,‏ فأوغل في تكفير الآخرين وتشدد في ضوابط تطهير المسلم مما يشوب عقيدته‏,‏ لكي يصبح مؤهلا للانضمام الي الفرقة الناجية‏.‏

اذا حاولنا أن نجيب عن السؤال لماذا كانت المراجعات‏,‏ فسنجد أن السبب الرئيسي لذلك أن الرجل رأي بأم عينيه أن مشروعه حقق فشلا ذريعا وأنه كلف الأمة ثمنا باهظا من دماء وأرواح أبنائها وعرض مجتمعاتها لويلات وأحزان كانت في غني عنها‏,‏ وهو ما صدمه وجعله يفتح عينيه علي الدائرة الأوسع‏,‏ متجاوزا بذلك الفرقة الاستثنائية التي تقوقع في داخلها‏,‏ وحين خرج من النصوص الي الواقع‏,‏ ومن ضيق الفرقة الي سعة الأمة‏,‏ فإنه رأي المشهد من زاوية مغايرة تماما‏,‏ وكانت النتيجة أنه قرأ النصوص التي انطلق منها من منظور مغاير رأي فيه الواقع بمتغيراته والتكاليف بأولوياتها وموازناتها‏,‏ والمدارس الفكرية بثرائها وتعدد اجتهاداتها‏,‏ وهو ما أوصله الي مشارف فقه الأمة‏,‏ الذي بدا فيه فقه الفرقة مجرد نقطة في بحر كبير بلا شطآن‏.‏‏

(4)
‏ هذا التحليل يستدعي بقوة سؤالا لم نطرحه علي أنفسنا هو‏:‏ لماذا استسلم قادة الجماعات الجهادية لتعاليم الفكر السلفي وفكرة الفرقة الناجية طوال تلك السنين‏,‏ ولم يكتشفوا فقه الأمة إلا متأخرا جدا؟


في تتبعي لمسار قادة التيار الجهادي‏,‏ لاحظت عدة أمور أحسب أنها تساعدنا علي الإجابة عن السؤال‏,‏ منها مثلا أن هذه المجموعات بدأت تتوالد في أواخر الستينيات‏,‏ عقب الصدام الثاني بين ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين‏,‏ الذي ترتب عليه اعتقال عدد كبير منهم‏,‏ الأمر الذي أخلي الساحة من أي وعاء يمكن أن يستوعب الشباب المتدين‏,‏ الذي اتسعت دوائره في المناخ الذي أعقب هزيمة‏67,‏ وكانت تلك هي الأجواء التي تمدد فيها الفكر السلفي في أنحاء مصر ليملأ الفراغ المخيم علي ساحتها‏,‏ ملبيا أشواق أجيال من الشباب المتدين التي كانت تبحث عمن يأخذ بيدها‏.‏

لاحظت أيضا أن أغلب مؤسسي المجموعات الجهادية والجماعة الإسلامية كانوا من النابهين في الكليات العملية‏(‏ عدد غير قليل منهم كانوا من صعيد مصر الذي يعد أحد منابع الغلو‏),‏ فسيد إمام صاحب المراجعات وأيمن الظواهري وناجح إبراهيم تخرجوا في كلية الطب‏,‏ وعبدالسلام فرج كان مهندسا وكذلك صفوت عبدالغني‏,‏ وأسامة رشدي تخرج في الصيدلة‏,‏ وشكري مصطفي تخرج في الزراعة‏,‏ وكرم زهدي درس التعاون الزراعي وعصام القمري كان ضابطا‏,‏ وكذلك عبود الزمر‏..‏ وهكذا‏,‏ هؤلاء جميعا اتصلوا بالعلوم الشرعية إما في أثناء دراستهم في الجامعات أو بعد تخرجهم‏,‏ ولأنه لم يتوافر لهم نصيب من الثقافة الإسلامية الوسطية‏,‏ التي صاغها فقه الأمة‏,‏ ولأن الفكر السلفي المعني بشئون العقيدة وسلوك الناس والمتشدد في التعلق بالنصوص‏,‏ هو الذي توافر لهم في الساحة التي غابت عنها أوعية مدارس الوسطية‏,‏ فقد كان طبيعيا أن ينجذب أمثالهم من الشباب الي ذلك الفكر ويوغلوا فيه‏,‏ الي الحد الذي أوصلهم الي ما وصلوا إليه‏.‏

هذا التحليل اذا صح‏,‏ فإنه يقودنا الي خلاصة مهمة تتمثل في أننا حين لم نوفر للشباب سبل تحصيل حد معقول من الثقافة الإسلامية‏,‏ فإننا دفعناهم دفعا الي الارتماء في أحضان الفكر السلفي‏,‏ كما أنه ينبهنا الي فشل‏,‏ بل خطورة‏,‏ فكرة تجفيف الينابيع التي تبنتها بعض الأطراف المشتبكة مع التيار الإسلامي‏,‏ حيث أثبتت التجربة التي نحن بصددها أن ذلك التجفيف من أهم العوامل التي تشجع علي التطرف والإرهاب‏,‏ في حين أن التدين الرشيد هو الذي يقوي مناعة الشباب ويحصنهم ضدهما‏.‏

ثمة خلاصة أخري يتعين الانتباه إليها‏,‏ وهي أن هذا الجيل من الشباب العربي الذي كان يحلم بالمجتمع المثالي‏,‏ واندفع في طريق العنف ليحقق التغير الذي ينشده‏,‏ حين يكتشف خطأ الطريق الذي تنكبه‏,‏ فإننا ينبغي ألا نكتفي بذلك‏,‏ وانما يجب أن نوفر له طريقا بديلا يعطيه أملا في إمكان إحداث التغير المرجو بالطرق السلمية‏,‏ لأن تيسير الحلال هو أنجع الأساليب لقطع دابر الحرام‏


هزمنا في أنابوليس بوثيقة قاصمة - فهمي هويدي

الثلاثاء، 4 ديسمبر، 2007

صحيفة الاهرام المصرية الثلاثاء 24 ذى القعده 1428 هـ 4 ديسمبر 2007م
هزمنا في أنابوليس بوثيقة قاصمة
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي


لم يخيب مؤتمر أنابوليس رجاء الذين أساءوا الظن به ورفضوا المراهنة عليه‏,‏ لأن حصيلته جاءت كارثية بالنسبة للفلسطينيين‏,‏ ومهينة للعرب أجمعين‏

‏(1)‏
خلال الأسابيع التي سبقت المؤتمر ظل رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس يشدد علي أنه لن يذهب إلي أنابوليس قبل إعلان أولمرت تجميد الاستيطان ووقف البناء في جدار الفصل العنصري ورفع الحواجز العسكرية في أرجاء الضفة‏,‏ وقال في أكثر من مناسبة وتصريح‏:‏ إن مشاركته في المؤتمر مشروطة أيضا بالتوصل إلي وثيقة مبادئ تحدد مسبقا مصير القضايا الأساسية في الصراع‏:‏ القدس‏,‏ واللاجئون‏,‏ والحدود‏,‏ والمستوطنات‏,‏ والأمن‏.‏هذه المشاركة المشروطة كان لها صداها في أكثر من بلد عربي‏,‏ فقد قرأنا تصريحات قوية صدرت من أكثر من عاصمة تحدثت عن ضرورة الانطلاق في المؤتمر من مرجعيات واضحة ترتكز علي قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة‏,‏ وقرار مجلس الأمن رقم‏242,‏ بحيث يظل الأساس هو العودة إلي حدود عام‏1967,‏ وتطبيق قرار الأمم المتحدة رقم‏194‏ الخاص بعودة اللاجئين‏,‏ ومبادرة السلام العربية التي تحدثت عن الأرض مقابل السلام‏,‏ ونبهت تلك التصريحات المعلنة إلي أن خريطة الطريق التي أطلقتها الإدارة الأمريكية ينبغي أن تظل مجرد الية للتنفيذ وليست مرجعية‏.‏ كما أفاضت في الحديث عن الاستحقاقات التي ينبغي أن تفي بها إسرائيل قبل الذهاب إلي المؤتمر‏,‏ وفي مقدمتها وقف بناء المستوطنات‏,‏ وإلغاء أو الحد من نقاط التفتيش التي تعوق حركة الفلسطينيين بالضفة‏..‏ إلخ‏.‏

ومن بين ما أعلنته دمشق أن مشاركتها معلقة علي إدراج موضوع احتلال هضبة الجولان علي جدول أعماله‏,‏ وأعلن رسميا في أثناء اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير في القاهرة‏,‏ أن دمشق تلقت وعدا بالاستجابة لمطلبها‏.‏في هذه الأجواء المسكونة بالتشدد في المواقف والمطالب‏,‏ تحدث أبومازن مرارا عن أن المؤتمر فرصة لن تتكرر لإحلال السلام في الشرق الأوسط‏,‏ وسار في الركب نفر من الكتاب الذين ما برحوا يبشروننا بفجر السلام الذي لاح‏,‏ وأمله الذي حل بعد طول انتظار‏,‏ وإرهاصات اليسر التي تجلت بعد سنوات الإحباط والعسر‏,‏ بعد ذلك التصعيد في الاشتراطات والتعبئة الإعلامية المتفائلة‏..‏ ما الذي حدث؟

(2)‏
حدث الكثير في أثناء المؤتمر وبعده‏,‏ من ذلك مثلا‏:‏
ـ أن كل ما أعلن من شروط‏,‏ سواء من جانب العرب تم تجاهلها‏,‏ وذهب الجميع دون أن يلبي أي شرط منها‏,‏ أو أبو مازن الذي قال إنه لن يذهب ولن يوقع إلا إذا حدث كذا وكذا‏,‏ ذهب راضيا‏,‏ ووقع مرغما‏,‏ حتي إن صحيفة هاآرتس ذكرت في عدد‏11/28‏ أن الرجل حين تردد في التوقيع علي وثيقة التفاهم بعدما اكتشف أنها تجاهلت مطالبه‏,‏ فإن وزيرة الخارجية الأمريكية وبخته قائلة‏:‏ اقلعوا عن هذه الألاعيب والمناورات ويجب أن نتفق الآن‏,‏ فوقع صاغرا‏,‏ حسب ماذكرته صحيفة هآرتس

ـ حين أعلنت وثيقة التفاهم فإنها لم تستجب لأي مطلب فلسطيني أو عربي‏,‏ وكل ما قالته إن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وافقا علي البدء فورا في مفاوضات ثنائية‏(‏ لا دخل للعرب بها‏,‏ وليسوا طرفا فيها‏)‏ لحل جميع القضايا العالقة‏,‏ وستشكل منهما لجنة متابعة لهذا الغرض‏,‏ من مهامها تنفيذ الواجبات التي تمليها خريطة الطريق‏,‏ كما ستشكل هيئة أمريكية ـ فلسطينية ـ إسرائيلية للتثبت من الالتزام بالخريطة المذكورة‏,‏ بالتالي فإن الوثيقة لم تضف جديدا حين تحدثت عن إطلاق مفاوضات حاصلة بالفعل‏(‏ أبو مازن وأولمرت اجتمعا تسع مرات‏,‏ ويلتقيان بصورة منتظمة كل أسبوعين‏),‏ كما أنها لم تشر إلي أية مرجعية للمفاوضات سوي خريطة الطريق‏,‏ التي ذكرت ست مرات في النص المعلن‏,‏ ومن ثم تم تجاهل مبادرة السلام العربية التي كانت الدول العربية قد أعلنت أن الالتزام بمرجعيتها شرط لمشاركتها في المؤتمر‏,‏ وهي صفعة للعرب تلقاها الجميع في صمت‏.‏

ـ برغم الاعتراض الفلسطيني علي وصف إسرائيل بأنها دولة يهودية‏,‏ وهو ما تم تجنبه في وثيقة التفاهم‏,‏ فإن كلا من الرئيس بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تحدثا في خطابيهما صراحة عن يهودية الدولة‏,‏ الأمر الذي يفتح الباب علي مصراعيه لنفي وطرد العرب الموجودين في إسرائيل‏,‏ في حين يغلقه تماما في وجه اللاجئين الفلسطينيين‏.‏

ـ في‏11/28‏ اعتبرت القناة الثانية في التليفزيون الإسرائيلي أن أولمرت حقق إنجازا كبيرا في المؤتمر‏,‏ وأن الوثيقة التي أعلنها الرئيس بوش جاءت ملبية لمطالب الجناح اليميني المتطرف في الحكومة الإسرائيلية‏,‏ حيث لم تكن سوي إعلان نوايا فضفاض لا يلزم إسرائيل بشيء‏.‏

ـ لم يكد أولمرت يصل إلي إسرائيل بعد المؤتمر حتي أعلن عن ثلاثة لاءات اعتبرتها الأهرام تهديدا بنسف الوثيقة التي لم يكن قد جف مدادها بعد‏,‏ حيث صرح لوسائل الإعلام بأنه لا مجال للتفاوض حول القدس‏,‏ وليس هناك التزام بموعد نهائي للمفاوضات‏,‏ ولن يكون هناك اتفاق قبل القضاء علي كل أثر للمقاومة التي وصفها بأنها ضمن خلايا الإرهاب‏.‏

ـ موضوع الجولان تم نسيانه‏,‏ ولم يعد إلي ذكره أحد‏,‏ مما يعني أن الوعد بإدراجه لم يكن التزاما بقدر ما كان جزرة أريد بها جذب سوريا لحضور المؤتمر لتوفير الإجماع العربي‏.‏

‏(3)‏
بعدما أطيح بالمبادرة العربية‏,‏ وتحول العرب إلي كومبارس في خلفية الصورة التي احتل أولمرت صدارتها متكئا علي بوش‏,‏ في حين سار وراءهما أبو مازن‏,‏ فإن الفلسطينيين خرجوا مكبلين بكارثتين من العيار الثقيل هما‏:‏

‏*‏ الإقرار في وثيقة التفاهم بمرجعية خريطة الطريق دون غيرها‏,‏ ومن ثم إسقاط المرجعيات الأخري بما في ذلك قرارات الأمم المتحدة‏,‏ الأمر الذي ارتهن القضية كلها بالإرادة الأمريكية‏,‏ ولا تنس أن الحكم في أي خلاف فلسطيني ـ إسرائيلي صار أمريكيا أيضا‏,‏ وله خلفية تنسيق مع الإسرائيليين‏,‏ وللعلم فإن الخريطة تتضمن ثلاث مراحل‏,‏ وإسرائيل معنية بالمرحلة الأولي دون غيرها‏,‏ التي تقضي بوقف العنف والتحريض عليه‏,‏ مع عودة التنسيق الأمني بين الطرفين‏,‏ وهو ما يعني إنهاء المقاومة وقمع معارضي الاستسلام لإسرائيل‏,‏ وملاحقة الجميع من خلال التنسيق الأمني‏.‏

في هذه الحالة فإن السلطة الفلسطينية تصبح ملزمة بإعلان حرب مفتوحة علي فصائل المقاومة بالتعاون مع الإسرائيليين من خلال التنسيق الأمني معهم‏,‏ وهو المشهد العبثي وغير المعقول الحاصل الآن في الضفة الغربية‏,‏ وقد بدأت أولي حلقاته في نابلس‏,‏ حيث قامت الأجهزة الأمنية الفلسطينية‏,‏ بالتعاون مع الأجهزة الإسرائيلية بملاحقة عناصر المقاومة وتجريدها من سلاحها‏,‏ قبل الذهاب إلي أنابوليس تأكيدا لالتزام السلطة بخريطة الطريق‏,‏ ولم يقف الأمر عند ذلك الحد‏,‏ لأن القيادة الإسرائيلية قامت بتزويد السلطة ببعض الدبابات الروسية والبنادق والذخيرة لتعزيز قدرتها وإنجاح مهمة التحرير الجديدة التي بدأت في النهوض بها‏!!‏

هذا التحول المثير دفع بعض الباحثين إلي المقارنة بين ممارسات الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ظل حكومة سلام فياض‏,‏ وبين جيش لبنان الجنوبي الذي قاده انطوان لحد‏,‏ وأنشأته إسرائيل لتعزيز مصالحها الأمنية في لبنان‏,‏ وقد أشار إلي هذه المقارنة الدكتور غسان الخطيب الذي تولي عدة مناصب وزارية في حكومات أبو مازن‏,‏ في مذكرة أعدها بالتعان مع بعض الباحثين الإسرائيليين‏,‏ ومن هؤلاء العقيد المتقاعد داني رشيف الذي كان من بين الذين أشرفوا علي تشكيل جيش لبنان الجنوبي‏,‏ وفي سياق حديثيه علي المقابلة بين الحالتين اللبنانية والفلسطينية قال إن القوتين العسكريتين دربتا وجهزتا من جانب قوات أجنبية لمواجهة أجنحة في مجتمعها‏,‏ وليس لمواجهة عدو خارجي‏,‏ وهو ما يهدد شرعية أجهزة الأمن الفلسطينية لأن المجتمع سينظر إليها باعتبارها تخدم العدو الأول للفلسطينيين‏.‏‏

*‏ الكارثة الثانية تمثلت في تبني الوثيقة لما سمي برؤية بوش‏,‏ التي أطلقها في عام‏2002‏ ودعا فيها إلي إقامة دولتين إحداهما إسرائيلية‏(‏ خالصة لليهود‏),‏ وأخري عربية لتستوعب الفلسطينيين ومصممة بحيث تتوافق مع المصالح الإسرائيلية‏,‏ وهو ما أعلن عنه صراحة شمعون بيريز‏,‏ ورددته وزيرة الخارجية تسيبي ليفني في مؤتمر الدول المانحة الذي عقد في نيويورك خلال سبتمبر الماضي‏.‏

من ثم فهذه الدولة لا علاقة لها بالحلم الفلسطيني‏,‏ لأنه أريد لها أن تكون حارسة للحلم الإسرائيلي‏,‏ إذ هي حسب رؤية بوش ليست مستقلة ذات سيادة‏,‏ لكنها كيان هلامي حدوده مؤقتة‏,‏ منقوص السيادة ومنزوع السلاح‏,‏ بل إنها ليست علي الأرض المحتلة عام‏1967,‏ التي يؤيد الأمريكيون الموقف الإسرائيلي الرافض للعودة إلي ما وراء حدودها‏.‏

ومن أسف أن أبومازن تحدث أكثر من مرة عن أنه يريد أن يستعيد من إسرائيل مساحة الضفة وغزة المقدرة بـ‏6205‏ كيلومترات مربعة‏,‏ ولم يربط ذلك بحدود‏4‏ يونيو‏67,‏ وألمح هو وبعض أركان السلطة إلي القبول بمبدأ تبادل الأراضي الذي يعني الإبقاء علي المستوطنات في الضفة‏(150‏ مستوطنة يسكنها نصف مليون شخص بالإضافة إلي‏200‏ بؤرة استيطانية‏),‏ مقابل إعطاء الفلسطينيين مساحة مماثلة في أي مكان آخر في صحراء النقب مثلا‏.‏

وخطورة هذه الفكرة تتمثل في أمرين‏,‏ أولهما أن القبول بمبدأ تبادل الأراضي التي هي جوهر الصراع يفتح الباب لتبادل السكان‏,‏ ومن ثم طرد فلسطينيي‏1948‏ لتبقي إسرائيل لليهود وحدهم‏,‏ والثاني أن إسرائيل التي تسرق‏85%‏ من مياه الضفة‏,‏ أقامت المستوطنات فوق‏70%‏ من هذه المياه‏,‏ الأمر الذي يعني استمرار استئثار إسرائيل بتلك المياه‏,‏ واجتماع هذين العاملين في الدولة الفلسطينية المزعومة من شأنه أن يسهم في الإجهاز علي القضية الفلسطينية وتصفيتها‏,‏ وهو ما يجعل رؤية بوش معادلة في خطورتها لوعد بلفور‏,‏ الذي به بدأت الكارثة الكبري‏.‏

‏(4)‏
أخشي ما أخشاه أن تبتلع الدول العربية الطعم المخدر‏,‏ وتتوهم أن بشائر السلام قد لاحت‏,‏ ومن ثم تبدأ في التطبيع مع إسرائيل‏,‏ ظنا منها أن الحل قادم في الطريق لاريب‏,‏ وهو احتمال ليس بعيدا‏,‏ لأن بعض العرب طرقوا هذا الباب بعد إعلان المبادرة العربية‏(2002)‏ التي رفضتها إسرائيل‏,‏ حتي قرأنا تصريحا لوزير خارجية خليجي التقي وزيرة خارجية إسرائيل قبل شهرين‏,‏ وبرر لقاءه بأنه كان يحدثها في المبادرة العربية‏,‏ كما أن وفدا يمثل الجامعة العربية زار تل أبيب لأول مرة في تاريخ الجامعة‏,‏ بدعوي شرح المبادرة‏,‏ وإذا كان ذلك قد حدث في ظل المبادرة المرفوضة‏,‏ فاحتمال حدوثه أكبر بعد إعلان الوثيقة المشبوهة التي كانت الوفود العربية من بين شهودها‏.‏

لا أعرف إن كان الدعاء يمكن أن يجدي في منع وقوع هذه الكارثة أم لا‏,‏ لكن لا بأس من المحاولة‏,‏ لأنه فيما يبدو لم يعد لها من دون الله كاشفة‏

إنهم يغيظون المواطن المصري .. بقلم الأستاذ فهمى هويدى

الجمعة، 30 نوفمبر، 2007

إنهم يغيظون المواطن المصري
بقلم الأستاذ فهمى هويدى
30/11/2007

دون أن تدرى أو تقصد ، تسببت مكتبة الإسكندرية فى إحراج بعضنا وإغاظة أغلبنا .. ورغم أننى واثق من حسن نية القائمين على المكتبة حين قبلوا استضافة الاحتفال بتسليم جائزة الحكم الرشيد " ، إلا أن رسالة الاحتفال أثارت خواطر وكوامن ، أظن أنهم حريصون على الابتعاد عنها ...

فحين تكون فحوى الرسالة أن الحاكم الرشيد هو من يترك موقعه طواعية ، بعد أن يؤدى رسالته فى إشاعة الديمقراطية والشفافية واحترام حقوق الإنسان بما يحقق الاستقرار والنمو لبلاده ، فإن الترويج لهذا المضمون قد يحمله بعض الخبثاء على أنه غمز فى الأوضاع التى نعرفها ، وكشف لأمور مسكوت عليها ، وذلك سبب كاف للحرج ، وفى الوقت ذاته فحين تقول الرسالة المذكورة إن ذلك الحدث وقع فى بلد ساقط من الذاكرة اسمه موزمبيق .. يتمدد على الشاطئ الأفريقى فى أقصى جنوب القارة ، فإن ذلك كفيل بإغاظة المواطن المصرى الذى ظل يختال طويلاً وهو يبتاهى بأوسمة الريادة التى علقوها على صدره ، باعتباره ابن حضارة سبعة آلاف سنة ..

الذى يرفل فى حلل أم النيا ويعيش فى ظلال ازهى العصور ، وهومن تصور أنه حين ترصد جائزة الحكم الرشيد ، خصوصاً فى أفريقيا ، فإنها ستسعى مهرولة إلى بلاده بعد أن تفوز بها بالتزكية ..

أما أن تدير الجائزة ظهرها لمصر ، وتذهب إلى ذلك البلد الصغير ، فمن شأن ذلك أن يصيب أغلب المصريين بالغيظ وخيبة الأمل .

أصل الحكاية أن رجل أعمال سودانياً ناجحاً اسمه " محمد فتحى إبراهيم " كان قد تخرج فى جامعة الإسكندرية ، ظل يلح عليه حلم العثور على حاكم صالح فى أفريقيا ، ولاحقه الحلم لسنوات عديدة ، ولم ينسه حتى بعدما أصبح من كبار رجال الأعمال ، واستقر به المقام فى لندن بعد أن حصل على الدكتوراة هناك ..

وحتى يحقق حلمه فإنه خصص جائزة قيمتها خمسة ملايين دولار لذلك الحاكم الأفريقى المعجزة تدفع على عشر سنوات ، مع راتب سنوى قيمته 200 ألف دولار يتقاضاه مدى الحياة ..

لعلمك فإن هذه القيمة تتجاوز جائزة نوبل ن التى تبلغ قيمتها 1.2 مليون دولار ...وإذ أسس جمعية خيرية باسمه " مو إبراهيم " ، فإنه عقد مؤتمراً صحفياً فى شهر أكتوبر من العام الماضى اعلن فيه عن جائزته ، وقال إن جامعة هارفارد ستتولى الإشراف على المعايير المتبعة لتحديد الرئيس الذى خدم بلاده على النحو المنشود ، وتشكلت لجنة التحكيم برئاسة كوفى انان السكرتير العام السابق للأمم المتحدة.

فى الإعلان ذكر " مو إبراهيم " أنها ستمنح للرؤساء والحكام المنتخبين ديمقراطياً ، ولا مكان فيها للذين يصلون إلى الحكم بطرق أخرى ..

واشترط فى أولئك الرؤساء أن يكملوا مدة حكمهم ، ثم يتقاعدوا طائعين ، ويساعدوا على نقل الحكم إلى من يخلفهم بطريقة سلمية وديمقراطية ، وفى سنوات حكمهم ينبغى أن تتوافر فيهم الشروط التى سبقت الإشارة إليها .

بعد بحث مضن استمر أكثر من سنة وجدت لجنة التحكيم ضالتها فى رئيس موزمبيق السابق " يواكيم شيتسانو 68 عاماً " زز الذى يكفى أنه انتخب مرتين ثم رفض أن يترشح لولاية ثالثة ، رغم أن دستور البلاد يجيز له ذلك ، وبعد أن ترك الحكم أعطى وقته لإشاعة السلام فى الدول الأفريقية المجاورة ..

وخلال سنوات حكمه ، الذى أنهكته الحروب الأهلية ، فضلاً عن أنه حقق نجاحات أخرى فى مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، الأمر الذى أدى إلى تراجع معدلات الفقر والحد من انتشار مرض الإيدز ..

وحين قرر مغادرة منصبه ، فإن خلفه أخذ مكانه فى ظل انتخابات نزيهة ، شهدت المنظمات الدولية بشفافيتها ونظافتها .

حين زهد فى السلطة رئيس المجلس العسكرى الحاكم فى موريتانيا .. واشرف على إجراء انتخابات نزيهة اسفرت عن فوز الرئيس الحالى " سيدى محمد ولد الشيخ عبد الله " .. حسدناهم وكظمنا الغيظ .. ثم نسينا الموضوع ، لأن الحدث تم بعيداً عنا ..

ولكن أن يعلن عن فوز رئيس أفريقى بجائزة الحكم الرشيد لأنه بدوره زهد فى الحكم وتركه لغيره طائعاً مختاراً ، ثم تمنح الجائزة للرجل تحت أعيننا وفى عقر دارنا ، فإن ذلك يذكرنا بما نحاول أن ننساه ..

ويضاعف من شعورنا بالغيظ فضلاً عن الحسد ، وكان حرياً بمكتبة الإسكندرية أن تراعى شعورنا ॥ فتعتذر عن عدم إقامة الحفل متعللة بأى عذر ..
لأن الحرج الذى قد تستشعره فى هذه الحالة ، لا يقارن بكم المواجع التى قلبتها علينا جراء ما أقدمت عليه .

Blog Archive