تقـريــــــر مـن طهـــــــــران--فهمي هويدي

الثلاثاء، 30 أكتوبر، 2007



صحيفة الأهرام المصريه الثلاثاء 18 شوال 1428 هـ 30 أكتوبر 2007م
تقـريــــــر مـن طهـــــــــران
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي

السؤال المثار في العالم العربي هو‏:‏ متي توجه الضربة العسكرية الأمريكية إلي إيران‏,‏ في حين أنني وجدتهم في طهران يجيبون بالنفي علي السؤال‏:‏ هل تقوم الحرب أصلا أم لا؟
‏(1)‏وصلت إلي طهران في اليوم الذي أبرزت فيه وسائل الإعلام العربية خبر استقالة علي لاريجاني مسئول مفاوضات الملف النووي من منصبه‏,‏ وكان الخبر هو المانشيت الرئيسي لجريدتي الحياة والشرق الأوسط في حين احتل مكانه علي الصفحات الأولي لأهم الصحف العربية الأخري‏,‏ وكان نشر الخبر بداية لاطلاق سيل التعليقات التي كان أكثرها يتحدث عن شرخ في الحكومة الإيرانية‏,(‏ للعلم‏:‏ التزم المعلقون الصمت حين ظهر لاريجاني مع خلفه جليلي لاحقا في ثناء مباحثات روما‏)‏ وكان الإعلام العربي قبل ذلك بأيام قد أبرز خبرا مدسوسا عن كشف محاولة لاغتيال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء زيارته لطهران في منتصف شهر أكتوبر الحالي وبعد ذلك اهتمت وسائل الإعلام بالتغيير الذي طرأ علي برنامج زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لأرمينيا‏,‏ حيث عاد إلي طهران قبل الموعد المحدد لانتهاء الزيارة‏.‏ فقالت قناة العربية إنه قطع زيارته الأمر الذي يوحي بأن تطورا مفاجئا حدث في إيران استدعي عودته إليها‏,‏ في حين أن الجزيرة قالت إنه اختصر الزيارة‏,‏ وكان ذلك التعبير الأخير أصوب لأن الرجل أراد أن يتجنب زيارة النصب التذكاري لضحايا مذبحة الأرمن مجاملة للأتراك‏.‏ أخيرا فإن إعلامنا أبرز شائعة استقالة وزير الخارجية الايرانية منوشهر متكي من منصبه‏,‏ حتي أن بعض صحفنا أبرزت الشائعة علي الصفحة الأولي‏,‏ ودفنت النفي في الصفحات الداخلية‏.‏
وهو يستعرض هذه الخلفية فإن محدثي الإيراني قال إنها ليست مصادفة أن تصبح الشائعات المتعلقة بإيران مادة خصبة في وسائل الإعلام‏,‏ بما يعطي انطباعا بأن النظام يهتز في طهران‏,‏ وأضاف أن هذه الشواهد إذا وضعت جنبا إلي جنب مع الحديث المتواتر في وسائل الإعلام تارة عن الخطر الإيراني وتارة أخري عن الهلال الشيعي وفي مرة ثالثة عن أصابع إيران في كل حدث سياسي غير مرض عنه في العالم العربي‏,‏ فإن الأمر لايبدو بريئا بالمرة‏,‏ وهو ما يستقبل في طهران بحسبانه نوعا من الحرب النفسية التي تستهدف التشكيك والتخويف‏,‏ الذي لا يراد به فقط تأزيم العلاقة بين إيران والعالم العربي‏,‏ وإنما أيضا إيهام الرأي العام بأن الذي يهدد العالم العربي ليس إسرائيل وإنما إيران‏,‏ وهو ما بات يصرح به علنا المتحدثون الاسرائيليون وأصبحت تردده بعض الأصوات في العالم العربي للأسف‏.‏‏
(2)
قلت لمحدثي الإيراني الكبير الذي اشترط ألا أشير إلي اسمه‏:‏ هل تريد أن تقول إن الكلام عن ضربة عسكرية أمريكية لإيران هو من قبيل الشائعات؟ فقال إن الحرب في طهران ليست خبرا‏,‏ ولكنها بمثابة تهديد أمريكي لا أكثر‏.‏ وحين طلبت منه ايضاحا قال إن إيران تعرف أن الادارة الامريكية لاتمزح‏,‏ كما تعرف أن قرار الحرب لم يتخذ‏,‏ وان الخلاف حوله عميق ومعلن في واشنطن‏,‏ لأسباب عدة من بينها ما يلي‏:
‏‏*‏أن إيران لا تهدد الأمن القومي الأمريكي في حقيقة الأمر‏,‏ ولكنها فقط تعارض الهيمنة الأمريكية التي تعتبرها طهران تهديدا لأمنها‏,‏ وصاحب المصلحة الحقيقية في الحرب هو إسرائيل التي تريد أن تصبح القوة الإقليمية الوحيدة في الشرق الأوسط‏,‏ وتري أن إيران منافس مزعج لها‏,‏ وتلح في الخلاص منها بأي ثمن‏.‏‏
‏* أن الولايات المتحدة غارقة في العراق ومتورطة في أفغانستان وبرغم أن لديها قوة جبارة بلا حدود فإن خياراتها في الحرب محدودة‏,‏ لأنها تدرك جيدا أنها قد تشعل حريقا كبيرا في المنطقة لا يعرف مداه‏.‏ في حين أن إيــــران ذات القوة المحـــدودة تجد أن خياراتها بلا حدود‏.‏ إذ تستطيع ان ترد العدوان فيما لا حصر له من أهداف توجد فيها القوات الأمريكية‏(‏ لاحظ أن في العراق اكثر من‏150‏ ألف جندي أمريكي تعتبرهم طهران رهائن في متناول أيديها‏)‏ أو أية أهداف أخري ينطلق منها السلاح الامريكي‏.‏ وإذا كان سعر برميل النفط قد تجاوز‏90‏ دولارا ونحن بإزاء مجرد حديث عن الحرب‏,‏ فما بالك به إذا الحرب وقعت فعلا‏,‏ وأغلق مضيق هرمز مثلا؟
‏*‏أن واشنطن تدرك جيدا أن إيران ليست العراق‏.‏ وانه إذا كانت الولايات المتحدة تملك من القوة ما تستطيع به تدمير إيران وإعادتها‏50‏ سنة إلي الوراء‏,‏ إلا أنها تدرك ايضا ان إيران تتوافر لها القدرة علي الرد بما قد يصيب القوة الامريكية بعاهات موجعة تتجاوز بكثير ما خلفته الحرب الفيتنامية من آثار في مجتمعها‏.
‏‏*‏أن واشنطن تلقت رسالة مهمة من الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإيران في منتصف شهر أكتوبر‏/‏ تشرين الأول‏.‏ وهي الزيارة التي شكلت منعطفا مثيرا في المنطقة‏,‏ وكان التعاون الاستراتيجي بين طهران وموسكو من بين علاماته البارزة وعميقة الدلالة‏.‏ ولا ينسي في هذا الصدد أن إيران عضو في منظمة شنغهاي‏,‏ التي تضم الصين وباكستان ودول آسيا الوسطي‏.‏ وقد بدأت اقتصادية ثم تطورت إلي منظمة سياسية وأمنية‏.‏ وقررت تشكيل قوة أمنية من الدول الأعضاء تعد بديلا أقوي من حلف وارسو‏.‏ وهي الرد الروسي والآسيوي علي حلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة‏.

‏(3)‏
وجدت أن ثمة إجماعا بين السياسيين وأغلب المثقفين علي استبعاد وقوع الحرب‏,‏ لكن لاحظت أن ثمة استعدادا لأسوأ احتمالاتها علي أكثر من صعيد‏.‏ وكما ان فوز أحمدي نجاد برئاسة الجمهورية كان رد المجتمع الإيراني علي اختطاف المحافظين الجدد في الولايات المتحدة للقرار السياسي في البيت الأبيض‏,‏ فإن التغييرات السياسية التي حدثت في طهران تفهم في سياق التصعيد الأمريكي ضد إيران‏.‏ وهو ما يفسر مثلا استبدال جليلي بلاريجاني في المفاوضات حول النووي مع الدول الغربية‏.‏ كما يفهم انتقال رحيم صفوي قائد الحرس إلي موقع آخر‏,‏ وتعيين الجنرال جعفري مكانه‏.‏
وقال لي أحد الخبراء الإيرانيين ان جليلي سيكون أكثر تشددا من لاريجاني‏,‏ وأن الجنرال رحيم صفوي كان مناسبا لمرحلة المواجهات المحلية في المنطقة‏,‏ ولكن احتمالات المواجهة مع الولايات المتحدة احتاجت رجلا آخر له خبرة استراتيجية أعمق وأعرض مثل الجنرال جعفري‏.
‏علي الصعيد العسكري علمت ان القائد الأعلي ـ علي خامنئي ـ أمر أخيرا بتسليم صواريخ شهاب ـ‏4‏ التي يبلغ مداها‏1800‏ كم إلي قيادة الجيش‏,‏ باعتباره المسئول عن تأمين البلاد ضد العدوان الخارجي‏.‏ وقيل لي أيضا إن مناطق واسعة في الجنوب‏,‏ في منطقة الأهواز‏,‏ تم إغراقها بالمياه‏,‏ لاعاقة أي محاولة للاختراق البري‏.
‏علمت كذلك ان بعض الأسلحة الايرانية الجديدة تم اختبارها بنجاح في الحرب اللبنانية التي هزم فيها الجيش الإسرائيلي في صيف العام الماضي‏.‏ وهو ما طمأن القيادة الإيرانية إلي فاعليتها‏.‏ وقد عرضت المناورات التي قامت بها البحرية الايرانية أخيرا نماذج اضافية من تلك الأسلحة‏,‏ كان من بينها الألغام الصاروخية العائمة‏,‏ والقوارب الصغيرة حاملة الصواريخ القادرة علي خوض حرب العصابات البحرية‏.‏
في هذا السياق قيل لي ان توقيت ومضمون تصريح أحد قادة الحرس الذي قال فيه‏:‏ إن اول رد إيراني علي العدوان الأمريكي سيتمثل في اطلاق‏11‏ ألف صاروخ كدفعة أولي ضد الاهداف المعادية‏,‏ وجه رسالة لا يخفي مغزاها إلي الاطراف المعنية بالأمر الأمريكية وغير الامريكية‏.‏سألت عن رد الفعل في حالة ما إذا كانت الضربة انتقائية وليست شاملة بمعني أن توجه ضد المواقع الثلاثة التي أقيمت فيها المفاعلات النووية‏(‏ في أصفهان وناتانز وآراك‏)‏ فقيل لي إن الرد يختلف‏,‏ لان الضربة أيا كان حجمها‏,‏ فإنها ستشكل عدوانا يجب الرد عليه‏,‏ وهو ما أعلنه القائد‏,‏ علي خامنئي‏,‏ في كلمة بثت علي الهواء‏.‏‏
(4)
‏في لقاء مع بعض الخبراء أثير موضوع العقوبات الاقتصادية‏,‏ فسمعت تعليقات كان من أبرزها ما يلي‏:‏‏
‏ *ان هذه العقوبات يمكن ان تؤثر في الصناعة الإيرانية بصورة نسبية‏,‏ لان بعض هذه المشروعات اما يسهم فيها مستثمرون أجانب او تستجلب بعض احتياجاتها من أسواق يمكن ان تستجيب لقرارات المقاطعة‏.‏‏*‏ أن إيران محاطة جغرافيا بخمس عشرة دولة‏,‏ وهذه الدول تعتمد الي حد كبير علي الانتاج الإيراني‏,‏ وبينها دولتان بلا سلطة مركزية تقريبا‏(‏ العراق وأفغانستان‏)‏ وهو ما يتعذر معه إحكام عملية المقاطعة‏.
‏‏*‏ ان بعض الشركات الأوروبية الكبري‏(‏ فرنسا مثلا‏)‏ رتبت أمرها لمواجهة ذلك الاحتمال‏.‏ وعقدت اجتماعات مع المسئولين الايرانيين في دولة مجاورة لترتيب التعامل عن طريقها بدلا من الاتصال المباشر مع طهران‏.‏‏
‏*أن الاستجابة الأوروبية للمقاطعة ستكون ضعيفة‏,‏ بعدما تم الاتفاق مع النمسا لتوصيل الغاز إليها عبر أنابيب تمر عبر تركيا‏,‏ وهو ما حظرته الادارة الامريكية في السابق‏.‏ وقد انضمت إيطاليا إلي ذلك الاتفاق‏,‏ حيث طلبت مد فرع لها من الخط لتغطية احتياجاتها من الغاز‏,‏ وذلك يفسر أن الدولتين كانتا في مقدمة المعترضين علي الدعوة الأمريكية إلي المقاطعة‏,‏ وجاء الاختراق الثالث لعملية المقاطعة مع باكستان‏,‏ التي عقدت اتفاقا آخر مع طهران لمد أنابيب الغاز إليها‏.‏ وهذه مشروعات تقدر قيمتها بعدة مليارات من الدولارات‏.‏‏
‏*أن الاتفاقات الاقتصادية التي عقدت مع روسيا خلال زيارة الرئيس بوتين لم تكن أقل أهمية من التفاهم السياسي الاستراتيجي‏,‏ إذ إلي جانب الاتفاق علي شراء أسلحة روسية بما يعادل‏8‏ مليارات دولار‏,‏ فقد تقرر أن تسهم شركة جاز بروم ـ الأهم والأكبر في روسيا ـ في استثمارات الغاز الإيراني بنحو ستة مليارات دولار‏.‏ وهناك تفاهم روسي ـ إيراني علي إنشاء أوبك للغاز إلي جانب الأوبك النفطي‏,‏ ترعاه روسيا لتحدي النفوذ الأمريكي في الأسواق النفطية‏.‏في ختام الجلسة قال لي أحد الدبلوماسيين الإيرانيين‏:‏ هل تعلم أن واشنطن تعول كثيرا علي الموقف العربي في إنجاح عملية المقاطعة؟ لم أستغرب لأن ذلك حاصل في الملف الفلسطيني‏,‏ ولما قلت إنني لا أعرف‏,‏ استطرد صاحبنا قائلا‏:‏ إن ذلك ما فعله الأردن‏,‏ الذي قرر منع الطلاب الإيرانيين من دراسة الفيزياء النووية في جامعات عمان‏,‏ في حين أن ثلاثة من كبار أساتذة الطب الإيرانيين يقومون بالتدريس في الجامعات الأردنية‏,‏ و‏23‏ خريجا أردنيا يكملون دراساتهم العليا في جامعاتنا علي حساب الحكومة الإيرانية‏.‏ نكمل التقرير في الأسبوع القادم بإذن الله‏.‏

0 التعليقات:

Blog Archive