مــكر التــاريخ في إيـــران--فهمي هويدي

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2007


صحيفة الأهرام المصرية الثلاثاء 25 شوال 1428 هـ 6 نوفمبر 2007 م
مــكر التــاريخ في إيـــران
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
من المفارقات التي تحسب لمكر التاريخ أن الإدارة الأمريكية بإصرارها علي حصار إيران وإسقاط نظامها‏,‏ فإنها قدمت أكبر خدمة للتيار المحافظ هناك‏.‏ حين قوت من ساعده ودفعت الناس للالتفاف حوله والاحتماء بتشدده‏.‏
(1)‏
عند المقارنة يمزح بعض المثقفين في طهران قائلين إن العون الذي قدمه الأمريكيون من حيث لم يحتسبوا للمحافظين الإيرانيين لم يكن الوحيد في بابه‏,‏ لأن الأقدار بدورها ساعدتهم وجاملتهم ــ يدللون علي ذلك بأنه في حين شحت الأمطار وضرب الجفاف محافظتي سيستان وبلوشستان في عهد الرئيس السابق‏(‏ الإصلاحي‏)‏ محمد خاتمي‏,‏ فإن الأمطار لم تتوقف في المنطقة ذاتها إبان عهد الرئيس أحمدي نجاد القادم من عمق المحافظين‏.‏ وإذ وصل سعر برميل النفط إلي‏8‏ دولارات في عهد الأول‏,‏ فإنه تجاوز تسعين دولارا وبصدد الوصول إلي رقم مائة في عهد الثاني‏.‏ وهي الملاحظة التي يعتبرها المثقفون من قبيل المصادفات السعيدة‏,‏ في حين يأخذها بعض أهل الحوزة في قم علي محمل الجد‏,‏ ويعتبرونها من بركات وكرامات المحافظين‏.‏
أول انطباع خرجت به من الزيارة التي حضرت خلالها مؤتمرا عن التضامن في العالم الإسلامي‏,‏ أن ثمة إنتعاشا وثقة مخيمين علي معسكر المحافظين‏,‏ يقابلهما إرتباك وقلق بين الإصلاحيين‏.‏ بل لعلي لا أبالغ اذا قلت أن المرء لايكاد يسمع ذكرا للإصلاحيين إلا في أوساط المثقفين‏.‏ أما المحافظون فهم الحاضر الأكبر في الشارع وفي الإدراك العام‏,‏ لسبب جوهري هو أنهم أصبحوا يتصدرون الواجهات في مختلف قطاعات الدولة ومؤسساتها‏,‏ التنفيذية والتشريعية والقضائية‏.‏
لا غرابة في ذلك‏,‏ فهذا زمانهم‏.‏ هذه العبارة تكررت في العديد من المجالس التي شهدتها‏.‏ الذين يقولون بذلك يشرحون وجهة نظرهم علي النحو التالي‏:‏ رغم أن الحاصل هو من قبيل تداول السلطة‏,‏ الذي يعد مؤشرا إيجابيا بحد ذاته‏.‏ إلا أن ذلك التداول فرضته ظروف كان بعضها داخليا والبعض الآخر خارجيا‏.‏ من الظروف الداخلية أن الإصلاحيين إنقسموا علي أنفسهم فتشتتوا وضعفوا‏,‏ فجماعة الشيخ هاشمي رفسنجاني‏(‏ كوادر البناء‏)‏ وقفوا في جانب‏,‏ وجبهة المشاركة التي وقفت وراء السيد خاتمي وقفت في جانب آخر‏,‏ وفي المسافة بين الفريقين تناثرت عناصر القوي الإصلاحية‏.‏ من تلك الظروف أيضا أن الرئيس خاتمي اهتم بالتنمية السياسية وبالحريات العامة ولم يهتم بالتنمية الإقتصادية‏,‏ الأمر الذي رفع من درجة المعاناة بين الناس وأشعرهم بأن أوضاعهم لم تعد أفضل في ظل حكم الإصلاحيين‏,‏ من تلك الظروف كذلك أن السيد خاتمي الذي ظل طوال سنوات رئاسته‏(‏ من‏1997‏ إلي‏2005),‏ يحسن من صورة إيران في الخارج ويمد جسور التفاهم مع العواصم الغربية‏,‏ رافعا رايات الدعوة إلي حوار الحضارات‏,‏ لكن هذه التحركات لم تسفر عن شئ يذكر إذ حسنت الصورة ولم تحسن الحال‏.
‏ بل أن حكومة خا تمي حين ذهبت في عام‏2001‏ إلي مدي بعيد في التعاون مع الولايات المتحدة بوجه أخص‏,‏ وساعدتها في إسقاط حكومة طالبان التي ناصبت طهران العداء‏,‏ فإن واشنطن ردت عليها بإهانة لاتنسي‏.‏ إذ كافأتها بأن ضمتها إلي محور الشر الذي تحدث عنه الرئيس بوش في عام‏2002.‏
(2)‏
الضغوط والعوامل الخارجية كان لها دور أكبر في ترجيح كفة المحافظين وإستدعائهم‏.‏ ذلك أنه كلما اشتد الحصار الأمريكي والضغط الغربي علي إيران‏,‏ وحين يتصل الأمر بكرامة البلد وكبريائه الوطنية‏,‏ فإن الناس يقابلون المهانة والحصار بمشاعر التحدي والرفض‏.‏ وهذه المشاعر تدفعهم إلي الإنحياز إلي القوي المخاصمة للغرب والأمريكان‏,‏ بإعتبار أن التطرف الغربي ينبغي ألا يقابل بتسامح إيراني‏.‏ وإنما يرد عليه بتشدد مماثل‏,‏ حيث لايفل الحديد إلا الحديد‏.‏ صحيح أن الذين مارسوا تلك الضغوط أمريكيين كانوا أم أوروبيين ما تمنوا خيرا لا للمحافظين ولا للإصلاحيين‏,‏ وإنما أرادوا هدم البنيان علي كل من فيه‏,‏ إلا أن المقادير أرادت شيئا آخر‏.‏ فالسهام التي لم يكفوا عن إطلاقها تحول بعضها إلي مكافآت وهدايا قدمت بالمجان للمحافظين الأشد خصومة لهم‏,‏ في حين أصاب البعض الآخر أصدقاءهم في معسكر الإصلاحيين‏,‏ الذين فقدوا أغلبيته في الإنتخابات النيابية التي جرت عام‏2003,‏ كما خسروا رهاناتهم علي الإنتخابات الرئاسية في عام‏2005.‏ فقد كان التصويت لصالح أحمدي نجاد والخسارة التي مني بها الشيخ هاشمي رفسنجاني
هما الرد الإيراني علي تعنت وصلافة المحافظي نالجدد في الولايات المتحدة‏.‏ إذ حين تصبح القوات الأمريكية مرابطة علي الحدود الإيرانية في أفغانستان شرقا‏,‏ وفي العراق غربا‏,‏ وحين تصر واشنطن ودول الرباعية الدولية علي حرمان إيران من حقها في تخصيب اليورانيوم‏,‏ ومن ثم المضي في برنامجها النووي السلمي‏,‏ وحين تحاصر ايران إقتصاديا وتجمد أموال مؤسساتها وأرصدة أربعة من مصارفها الكبري‏,‏ فلا غرابة في أن يذهب صوت المواطن الإيراني إلي القوي المناهضة لكل هؤلاء‏.‏ وهي القوي التي لم تكف منذ بداية الثورة علي إستمطار اللعنات علي الأمريكيين ومن لف لفهم‏,‏ بالهتاف الشهير مرك بر أمريكا‏,‏ أو الموت لأمريكا‏,‏ الذي صار جزءا من طقوس صلاة كل جمعة‏.‏
إزاء استمرار هذه الأجواء‏,‏ وفي ظل التصعيد الأمريكي والذي لايكف عن التلويح بالحل العسكري والتخويف من حرب عالمية ثالثة‏,‏ فإن نتائج الإنتخابات التشريعية التي ستجري في شهر مارس في العام القادم‏(2008)‏ تصبح شبه محسومة لصالح المحافظين‏.‏ وما لم يحدث متغير جوهري‏,‏ فإن الانتخابات الرئاسية التي ستجري في العام الذي يليه ستكون لصالحهم أيضا‏.‏ وهذا التفاؤل يكمن وراء مشاعر الثقة والإطمئنان التي تسود أوساط المحافظين‏.‏
في مواجهة هيمنة المحافظين‏,‏ فإن الإصلاحيين يحاولون في الوقت الراهن لملمة صفوفهم‏,‏ ويتناقل المثقفون أخبار التفاهمات التي جرت مؤخرا بين أقطابهم رفسنجاني وخاتمي وكروبي رئيس مجلس الشوري السابق‏.‏ وهناك إتفاق علي أن تلك التفاهمات وثيقة الصلة بمحاولة ترتيب الأوراق قبل إجراء الإنتخابات البرلمانية التي تجري بعد أربعة أشهر‏,‏ وفي هذه الأجواء‏(‏ في 26 - 10)‏ عقد حزب جبهة المشاركة المعارض مؤتمره السنوي‏,‏ وكان السيد محمد خاتمي علي رأس الحاضرين في جلسة الافتتاح‏,‏ كما ظهر معه عدد من الوزراء السابقين‏,‏ وفي كلمته إنتقد الأمين العام للحزب محسن ميرداماري بشدة أداء حكومة الرئيس الحالي‏,‏ فوصف سياسته الخارجية بالطائشة‏,‏ وسياسته الداخلية بالقمعية أما السيد خاتمي فإن نقده جاء مبطنا وغامزا في أحمدي نجاد‏,‏ حيث ندد بالذين يعتبرون أنفسهم رسلا من السماء فيستلهمون سياساتهم من الغيب متجاهلين خرائط الواقع وتعقيداته‏.‏
(3)‏
رياح الخطر التي تهب من الخارج صرفت الانتباه عن هموم الداخل‏,‏ إذ حين تتحدث وسائل الإعلام كل صباح عن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية‏,‏ والتطورات الحاصلة في الملف النووي الذي تحول إلي قضية شاغله للرأي العام وجارحة للشعور الوطني‏,‏ فإن المشكلات الحياتية للناس تتراجع أولويتها‏,‏ ولا يتاح للمرء أن يتلمس أبعادها الحقيقية إلا إذا خرج من محيط المثقفين ونزل إلي الشارع‏.‏
حدث ذلك معي‏,‏ حين وقعت علي سائق للتاكسي يعرف بعض المفردات العربية والإنجليزية‏,‏ ولاحظ السائق إنني أتجول بعيني متطلعا إلي غابة الأبراج العالية التي لم أرها من قبل في شمال طهران‏,‏ فأشار بأصبعه إلي بناية تجاوز إرتفاعها خمسين طابقا‏,‏ وقال أن هؤلاء هم المستكبرون الجدد وأخبرني بأن البناية تحمل إسم البرج الدولي‏,‏ وأن ملاكها من كبار رجال الأعمال‏,‏ وعلمت منه أن ثمة برجا آخر بإرتفاع‏70‏ طابقا أقامته بلدية طهران للمكاتب التجارية‏,‏ وأطلقت عليه إسم ميلاد النور‏,‏ وأن أسعار الشقق في أمثال تلك الأبراج أصبحت تقدر بملايين الدولارات‏,‏ حيث وصل متوسط سعر المتر الواحد في المساكن الجديدة إلي خمسة آلاف دولار‏.‏
أثارت انتباهي ملاحظات الرجل‏,‏ وحديثه عن المستكبرين الجدد‏,‏ وحين تحريت الأمر وجدت أن طبقة رجال الأعمال والتجار الكبار إنتعشت في السنوات الأخيرة مع الإتجاه إلي الخصخصة وبيع الوحدات المملوكة للدولة‏,‏ وأن ذلك الإنتعاش إنعكس علي الإنفجار العمراني وغابة الأبراج التي ظهرت في شمال العاصمة‏,‏ في حين أن الأحياء الشعبية في الجنوب بقيت كما هي‏,‏ إذ بإستثناء محلات البقالة الكبيرة‏(‏ السوبر ماركت‏)‏ التي غزت منطقة الجنوب‏,‏ فإن الأبنية المتواضعة والمتراصة بقيت علي حالها‏,‏ ولأن أغلبية الإيرانيين‏(70%)‏ يعيشون في بيوت مملوكة‏,‏ وليست مستأجرة ــ وذلك تقليد ينفردون به ــ فإن الأجيال الجديدة من الشبان أصبحت عاجزة عن الحصول علي المسكن المناسب‏,‏ فلم يعودوا قادرين علي الشراء‏,‏ ولأن المعروض للإيجار من المساكن قليل في حين أن الطلب أكثر من العرض‏,‏ فإن الإيجارات أصبحت فوق طاقتهم‏,‏ وأصبح الإيجار بالرهن أحد الحلول المؤقتة للمشكلة‏,‏ بحيث يدفع الشاب كل مدخراته للمالك‏(20‏ أو‏30‏ ألف دولار مثلا‏)‏ بحيث يسكن بالمجان لمدة سنة أو اثنتين‏,‏ وفي نهاية المدة يحصل علي المبلغ الذي دفعه كما هو‏,‏ ويفترض في هذه الحالة أن الطرفين استفادا‏,‏
فالمالك حصل علي مبلغ يمكن استثماره في السوق بما يحقق له عائدا قد يتجاوز قيمة الأجرة الشهرية‏,‏ أما المستأجر فإنه سكن بالمجان خلال تلك الفترة‏,‏ ثم استرد ما دفعه بعد ذلك‏,‏ إلي جانب مشكلة السكن فهناك شكوي شديدة من الغلاء الذي أصبحت الطبقات المتوسطة والفقيرة تعاني منه بشدة‏,‏ فالتضخم الذي وصلت نسبته طبقا لتقديرات البنك المركزي إلي‏13,5%‏ في مارس الماضي‏,‏ زاد إلي‏15,8%‏ في اكتوبر‏,‏ وهذه النسبة ارتفعت الي‏18‏ في المدن‏,‏ وإذا كان الريف بحكم طبيعته الزراعية يعاني من البطالة المقنعة‏,‏ فإن المشكلة أكثر ظهورا في المدن التي أصبحت بطالة الشباب ظاهرة مرئية في الشوارع‏,‏ ولم تنجح الحكومة في حلها‏.‏
(4)
منذ تولي أحمدي نجاد منصبه في عام‏2005,‏ فإنه ظل يصطحب مجلس الوزراء بكامل هيئته ليقضي كل شهر أسبوعا في إحدي المحافظات للإطلاع علي مشكلات الناس علي الطبيعة ومحاولة حلها‏,‏ وقد أكمل حتي الآن زيارة المحافظات الثلاثين في البلاد‏,‏ وفهمت أنه يستعد لجولة ثانية مع بداية العام الجديد‏.‏ لكن من الواضح أن زياراته مكنته من التعرف علي المشكلات‏,‏ التي كانت فوق قدرته علي حلها‏,‏ وفي الوقت الراهن فإنه إذا كان عدم اليقين يخيم علي الأفق السياسي بسبب التهديد بالحرب لوقف المشروع النووي‏,‏ فإن شبح الركود الاقتصادي يكاد يمشي علي الأرض بعدما تزايدت ضغوط المقاطعة الاقتصادية التي لابد لها أن تؤثر سلبا علي إنطلاقة الصناعة في إيران بعدما شهدت نموا ملحوظا خلال السنوات الثلاث الأخيرة‏,‏ وهي الورقة التي يستخدمها الإصلاحيون في تكثيف هجومهم علي حكومة أحمدي نجاد لكسب جولة الانتخابات البرلمانية‏.‏
الأمر الذي يعني أن الرجل يخوض معركته علي جبهتين‏,‏ داخلية وخارجية‏,‏ الأولي يدافع فيها عن سياسته والثانية يدافع فيها عن بلده‏,‏ وحتي الآن فإن الإحتشاد وراءه علي الجبهة الثانية أقوي وأكبر من الإحتشاد الذي حققه علي الجبهة الأولي‏.‏ والمعركة الأولي إيرانية بإمتياز‏,‏ لكن الصمود أو كسب المعركة الثانية أمر وثيق الصلة بالأمن القومي العربي‏,‏ رغم أن البعض منا عميت أبصارهم عن تلك الحقيقة‏

0 التعليقات:

Blog Archive