ما لا يصدق في الأرض المحتلــة--فهمي هويدي

الثلاثاء، 13 نوفمبر، 2007


صحيفة الاهرا م المصريه الثلاثاء 3 ذو القعده 1428 هـ 13 نوفمبر 2007 م
ما لا يصدق في الأرض المحتلــة
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
كل ما يحدث في الأرض المحتلة غير قابل للتصديق‏,‏ أما صداه في العالم العربي فهو ليس أفضل منه حالا‏!
(1)‏
يوم الإثنين الماضي‏(5 -11)‏ توفي الشاب بسام حمدي حرارة‏,‏ الذي كان مصابا بفشل في الكليتين‏,‏ بعدما منعته سلطات الاحتلال الإسرائيلي من مغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج في مصر‏,‏ وكانت صحته قد تدهورت أخيرا‏,‏ بعدما شهدت وظائف الكليتين تراجعا كبيرا في أثناء رحلة علاجه التي استمرت أربعة أشهر في مستشفي الشفاء بغزة‏,‏ ظل بسام البالغ من العمر‏36‏ عاما يحلم بأن يجئ إلي مصر ليجري عملية زرع كلية تنقذ حياته‏,‏ ومنذ شهرين قدمت أسرته طلبا للسلطات الإسرائيلية لكي تسمح له بالخروج‏,‏ ولكن قرار الحصار جعل مثل هذه الطلبات تمر بإجراءات طويلة‏,‏ أريد بها معاقبة الفلسطينيين وإذلالهم‏,‏ وبطبيعة الحال فإن بسام لم يكن الوحيد الذي كان ضحية النقص الخطير في الأدوية الذي سببه الحصار ولا ضغوط الإذلال والقهر التي يمارسها الإسرائيليون‏,‏ فقد كان المريض الثالث الذي تدهورت حالته ولفظ أنفاسه الأخيرة خلال أسبوع لذات السبب‏,‏ وحسب معلومات وزارة الصحة الفلسطينية‏,‏ فإن سبعة أشخاص علي الأقل فقدوا حياتهم منذ شهر يونيو الماضي لذات السبب‏,‏ وهناك ألف مريض معرضون للموت بسبب عدم توافر الأدوية اللازمة لعلاجهم في الداخل‏।‏
للإذلال وجه آخر تمثل في ابتزاز بعض المرضي واشتراط تجنيدهم لحساب المخابرات الداخلية الإسرائيلية‏(‏ الشاباك‏)‏ مقابل السماح لهم بالعلاج‏,‏ وقد نشر الأهرام ويكلي تقريرا حول هذا الموضوع في‏7/11,‏ كتبه من غزة الزميل صالح النعامي‏,‏ وفيه روي قصة الصحفي بسام الوحيدي‏(30‏ سنة‏)‏ الذي احتاج لإجراء عملية لإعادة شبكية العين إلي موضعها وإلا فقد بصره‏,‏ وبعد أن رتب الأمر مع أحد المستشفيات الفلسطينية بالقدس‏,‏ قصد معبر إيريز ليذهب إلي المستشفي‏,‏ ولكن عناصر الشاباك احتجزته وأهانته وقامت بتعريته كاملا‏,‏ قبل أن تدخله إلي أحد محققي الجهاز‏,‏ الذي وجه إليه خلال خمس ساعات سيلا من الأسئلة حول جماعات المقاومة في القطاع‏,‏ وفي نهاية اللقاء أخبره صراحة أنه لن يسمح له بالذهاب لإجراء العملية إلا اذا تعاون معهم وقدم لهم المعلومات اللازمة عن المقاومة وعناصرها‏,‏ ولكن الرجل فضل أن يفقد بصره علي أن يصبح عميلا للشاباك‏,‏ نفس القصة تكررت مع الدكتور كامل المغني العميد السابق لكلية الفنون الجميلة بجامعة النجاح‏(65‏ عاما‏),‏ الذي أصيب بسرطان في رقبته‏,‏ وأجريت له جراحة في أحد المستشفيات الإسرائيلية ثم طلب منه التردد علي المستشفي بعد ذلك لكي يتلقي علاجا بالأشعة‏,‏ وفي أول محاولة له للانتظام في جرعات العلاج‏,‏ تعرض لنفس الموقف عند معبر ايريز‏,‏ فرفض وقرر أن يعود أدراجه إلي غزة ليموت فيها شريفا‏.‏
بطبيعة الحال‏,‏ فإن هذا الموقف يتعرض له كل المرضي الذين يبحثون عن العلاج خارج القطاع‏,‏ خصوصا أصحاب الأمراض الخطيرة‏,‏ ولا مفر من الاعتراف بأن البعض يضعفون أمام شبح الموت أو العجز الذي يتهددهم‏,‏ فيمتثلون لما طلب منهم‏,‏ علي الأقل خلال فترة العلاج‏,‏ ومنهم من يبلغ السلطات المعنية في القطاع بذلك‏.‏
لا يقف الإذلال عند ذلك الحد‏,‏ ولكن إسرائيل منذ اعتبرت قطاع غزة كيانا معاديا‏,‏ فإنها لجأت إلي أسلوب القطع التدريجي للوقود والكهرباء والمياه عنه‏,‏ كما عملت علي تقليص كميات الغذاء والدواء التي تصل إلي القطاع‏,‏ الأمر الذي يعد عقابا جماعيا للمدنيين في القطاع‏(1,5‏ مليون‏),‏ ومخالفة صارخة للقانون الدولي‏,‏ وإذ استنكرها الأمين العام للأمم المتحدة وممثل الاتحاد الأوروبي وروسيا وفرنسا والأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي‏,‏ فإن العواصم العربية لم تحرك إزاءها ساكنا‏!‏
(2)‏
في‏ 2 -11 الحالي‏,‏ نشرت صحيفة الأحداث التي تصدر في مدينة الناصرة حوارا مع وزيرة التعليم والثقافة السابقة شلوميت ألوني‏,‏ دعت فيه إلي تقديم كل من وزير الدفاع الحالي إيهود باراك ورئيس الأركان السابق دان حالوتس لمحكمة العدل الدولية في لاهاي‏,‏ بسبب ما ارتكباه من جرائم بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني‏,‏ فقالت إن باراك هو الرجل الأكثر خطورة علي إسرائيل‏,‏ بسبب دمويته وغروره‏,‏ وهو لا يتردد في الذهاب في جرائمه بحق الفلسطينيين إلي أبعد مدي‏,‏ ظنا منه أنه بذلك يستطيع الانتصار علي خصمه بنيامين نيتانياهو في الانتخابات المقبلة‏,‏ وهاجمت ألوني التي تزعمت في السابق حركة ميريتس اليسارية قرار باراك بفرض عقوبات جماعية علي الفلسطينيين في قطاع غزة قائلة إن العقاب الجماعي هو جريمة ضد الإنسانية‏(‏ أبومازن وقادة السلطة في رام الله لم يصدر عنهم مثل هذا الكلام‏).‏
كشفت السيدة ألوني النقاب عن أن دان حالوتس أصدر في أثناء الحرب اللبنانية تعليماته بإلقاء قنابل انشطارية ـ محظورة دوليا ـ علي مناطق مأهولة بالسكان المدنيين‏,‏ الأمر الذي يصنفه كمجرم حرب‏,‏ علما بأن حالوتس حين كان قائدا للقوات الجوية في عام‏2002,‏ أمر بإلقاء قنبلة تزن طنا علي منزل الشيخ صلاح شحادة قائد كتائب القسام الجناح العسكري لحماس‏,‏ وهو ما أدي إلي وقوع مجزرة بشعة‏,‏ قتل فيها‏15‏ فلسطينيا بينهم تسعة أطفال‏,‏ في حين قتل سبعون آخرون‏.‏
روت ألوني للصحيفة أنها قبل أسبوع ألقت محاضرة أمام ضباط كلية الأمن الوقائي في تل أبيب‏,‏ دعت فيها إلي عدم توجيه اللوم إلي الفلسطينيين في حال تنفيذهم للعمليات الاستشهادية لأن كل واحد منكم يداه ملطختان بالدماء فهم يلقون القنابل كما أنكم تلقونها‏,‏ ولديكم طائرات وهم لا يملكون منها شيئا‏,‏ ولذلك فإنهم يفجرون أنفسهم في الأهداف الإسرائيلية‏,‏ وحينذاك قال لها أحد الضباط كيف تقارنين الدم اليهودي بالدم الفلسطيني‏,‏ فردت عليه قائلة إن لونه أحمر بنفس درجة الدم اليهودي‏.‏‏
(3)‏

في نفس يوم‏ 2 -11‏ الذي نشر فيه كلام شلوميت ألوني ودعت فيه إلي محاكمة باراك وحالوتس دوليا باعتبارهما من مجرمي الحرب‏,‏ سمحت إسرائيل لقوة أمنية فلسطينية قوامها‏300‏ رجل بالدخول إلي نابلس‏(‏ عاصمة الانتفاضة‏)‏ لاختبار قدرتها علي تجريد عناصر المقاومة من سلاحها وإجبارهم علي توقيع تعهدات بوقف عملياتهم العسكرية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي‏,‏ وأعلنت إسرائيل أنها سمحت للقوة الفلسطينية بالدخول إلي نابلس لفرض الأمن فيها‏,‏ لكن ذلك لن يمنعها من أن تقوم بعمليات عسكرية في المدينة ليلا‏,‏ ونشرت صحيفة الحياة اللندنية في‏3 -11 تصريحا لمحافظ نابلس جمال محيسن‏,‏ قال فيه إن إسرائيل قد تقوم بعمليات عسكرية في أثناء النهار أيضا‏!,‏ وذكر تقرير الحياة أن ثمة مجموعات تابعة لحركة فتح مازالت ترفض تسليم سلاحها ووقف مقاومة الاحتلال‏,‏ وهي تشكل أحد التحديات التي تواجه حكومة سلام فياض التي قررت تجريد المقاومة من سلاحها‏,‏ وهي المهمة التي تشكل الاستحقاق الرئيسي لخطة خريطة الطريق‏.‏
في اليوم ذاته‏(2 -11)‏ نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت أن الجيش الإسرائيلي شكل أخيرا وحدة جديدة مهمتها رصد ومتابعة كل المؤسسات المدنية التابعة لحركة حماس في الضفة‏,‏ بهدف تصفيتها وتقديم المسئولين عنها إلي المحاكمة بتهمة الإرهاب‏,‏ وقالت الصحيفة إن إسرائيل أدركت في وقت متأخر أن الخطر الذي تمثله حماس لا يكمن في ناشطيها المسلحين فحسب‏,‏ وإنما أيضا في مؤسساتها الخيرية والتعليمية والصحية ومنابرها الإعلامية‏,‏ التي وصفها المعلق العسكري للصحيفة إليكس فيشمان بـ الأخطبوط المخيف الذي يمثل الخطر الأكبر الذي تواجهه إسرائيل والسلطة الفلسطينية في رام الله‏.‏
وبطبيعة الحال فإن عملية المتابعة هذه تستند إلي معلومات التعاون الأمني بين الأجهزة الإسرائيلية وأجهزة السلطة الوطنية في رام الله‏,‏ علما بأن ملاحقة عناصر المقاومة التابعة لحركة حماس والجهاد في الضفة تمت أيضا في إطار ذلك التعاون بين الأجهزة الأمنية للطرفين‏.‏
هذه الخلفية تساعدنا علي فهم وتفسير الخبر المثير الذي نشره الأهرام في‏9 -11,‏ خاصا بمشروع أعدته البعثة الفلسطينية لدي الأمم المتحدة‏,‏ لاستصدار قرار لم تؤيده المجموعة العربية‏,‏ يدعو الجمعية العامة لاعتبار حركة حماس‏(‏ ميليشيا‏)‏ خارجة علي القانون‏!!‏
(4)‏
بالتوازي مع محاولات خنق قطاع غزة‏,‏ وتطهير الضفة من العناصر التي يمكن أن تتصدي للاحتلال‏,‏ وفي أجواء الصمت المخيم علي العالم العربي إزاء ما يجري‏,‏ أثار الانتباه أن بعض غلاة القادة الإسرائيليين تحدثوا عن الرغبة في القيام بانسحاب جزئي من الأحياء الفلسطينية في شرق القدس‏,‏ في حالة التوصل إلي اتفاق سلام مع الفلسطينيين‏,‏ وهذا ما أعلنه في 7 - 10‏ الوزير اليميني المتشدد أفيجدور ليبرمان زعيم ائتلاف إسرائيل بيتنا‏,‏ والداعي إلي طرد الفلسطينيين من إسرائيل‏(‏ سبق أن دعا إلي ضرب السد العالي وقصف المقر الرئاسي في دمشق‏),‏ وتضامن معه في اقتراحه نائب رئيس الوزراء حاييم رامون‏,‏ الذي لا يختلف عنه كثيرا‏,‏ وهذا الإعلان لم يكن سوي قنبلة دخان هدفها إثارة الغبار وحجب الحقيقة‏,‏ ليس فقط لأن ملف القدس مغلق في الحسابات السياسية الإسرائيلية‏,‏ ولا يستطيع أولمرت بتحالفه الهش أن يقترب منه‏,‏ وهو من يعلم أنه كان أحد أسباب سقوط بعض أسلافه‏(‏ بيريز ونيتانياهو وباراك‏),‏ ولكن أيضا لأن المقصود بشرقي القدس والأحياء العربية فيها هو بعض المخيمات والقري والبلديات التي أضيفت إلي نطاق المدينة بعد عام‏1967,‏ في الوقت ذاته فإن الدخان الذي أحدثته تلك التصريحات صرف الانتباه عن قرار إسرائيلي بضم‏1129‏ دونما‏(‏ أكثر من‏500‏ فدان‏)‏ من أراضي أربع قري إسرائيلية تقع في محيط القدس‏(‏ هي أبوديس والسواحرة الشرقية والنبي موسي والخان الأحمر‏),‏ وذلك بهدف إنشاء مجمع من المستوطنات في إطار مشروع القدس الكبري وتمهيدا لبناء‏3500‏ سكن جديد‏,‏ إضافة إلي مجمع صناعي ومن شأن هذه الخطوة أن تغير من جغرافية المنطقة‏,‏ بحيث تتيح تواصلا جغرافيا لليهود ما بين مستعمرة معالي أدوميم الكبيرة وبين القدس‏,‏ وفي حالة استكمال بناء ما تبقي من جدار الفصل حول المدينة المقدسة‏,‏ فإن إسرائيل ستكون قد استحوذت علي نصف مجمل أراضي الضفة الغربية‏,‏ مهدرة بذلك حقوق أكثر من‏200‏ ألف فلسطيني‏.‏
ذلك كله يحدث في الوقت الذي تتأهب فيه إسرائيل للمشاركة في مؤتمر أنابوليس الذي يقال إنه يستهدف تحريك السلام‏,‏ وهو ما ذكرني بما قاله مناحيم بيجين رئيس الوزراء الأسبق حين سئل عن سر تقديره الخاص لإيهود أولمرت برغم أنه تمرد عليه وصوت ضد كامب ديفيد‏,‏ فكان رده‏:‏ يعجبني فيه بشكل خاص خداعه ودهاؤه‏,‏ وقدرته الفائقة علي قول الشئ ونقيضه في وقت واحد‏,‏ لكن ما حيرني حقا أن أبومازن حين سأله قبل ثلاثة أسابيع مندوب صحيفة واشنطن بوست عن رأيه في أولمرت فقال‏:‏ تعجبني استقامته ونزاهته‏!‏
في الأسبوع المقبل نحاول أن نفهم الحكاية‏.‏



0 التعليقات:

Blog Archive