توريـط العـرب وابتـــزاز الفلســطينيين--فهمي هويدي

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2007

صحيفه الاهرام المصريه الثلاثاء 10 ذو القعده 1428 هـ 20 نوفمبر 2007 م
توريـط العـرب وابتـــزاز الفلســطينيين
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
مؤتمر الخريف ليس أكثر من محاولة لتوريط العرب وابتزاز الفلسطينيين‏,‏ ونحن نخدع أنفسنا إذا تصورنا أن أيا منهم يمكن أن يكسب منه شيئا‏,‏ لأن السؤال الحقيقي هو‏:‏ إلي أي مدي سيخسرون؟
(1)‏
الاتفاق منعقد بين المحللين الإسرائيليين علي أن مؤتمر أنابوليس لن يقدم شيئا للقضية الفلسطينية‏,‏ وأن أولمرت أعجز من أن يخطو أي خطوة في هذا الاتجاه‏,‏ وهذا هو رأي ألوف بن في هاآرتس‏,‏ وإيتان بن تسور‏,‏ ورون روز نبلوم في يديعوت أحرونوت‏,‏ ويوسف لبيد في معاريف وآخرين كثيرين‏.‏
أما أقطاب الائتلاف الإسرائيلي الحاكم الذين قبلوا بالمشاركة في المؤتمر فقد تباينت مواقفهم إزاءه‏,‏ لكنهم متفقون علي ست نقاط أوردها تقرير نشرته الحياة اللندنية في‏10-11‏ بعد عرض لآراء الأقطاب الخمسة‏:‏ أولمرت رئيس الحكومة‏,‏ وباراك وزير الدفاع‏,‏ ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني‏,‏ وزعيم حركة شاس الدينية إيلي يشاي‏,‏ وزعيم حزب إسرائيل بيتنا أفيجدور ليبرمان‏,‏ النقاط الست غير المختلف عليها هي‏:‏ أمن إسرائيل ينبغي أن يكون محور أي اتفاق ـ الاعتماد الكامل علي خريطة الطريق والتحفظات الـ‏14‏ التي أضافتها إسرائيل إليها‏(‏ لا ذكر لقرارات الأمم المتحدة أو المبادرة العربية‏),‏ واشتراط قيام السلطة الفلسطينية بتنفيذ جزئها الأول الخاص بتجريد فصائل المقاومة من سلاحها ـ رفض إصدار المؤتمر لأية وثيقة تتعلق بقضايا الصراع الجوهري‏(‏ القدس‏,‏ واللاجئين‏,‏ والحدود‏)‏ ـ عدم تحديد جدول زمني لإجراء مفاوضات بعد المؤتمر ـ أن يصدر عن المؤتمر بيان عمومي جدا ـ ضرورة اشتراك الدول العربية‏,‏ مع الإبقاء علي ثنائية المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية‏.‏
(2)‏
إسرائيل سعيدة باستمرار التفاوض مع السلطة الفلسطينية ولا تريد للعرب أن يعكروا هذه الأجواء‏.‏ فهي تأخذ من أبومازن ما تريد‏,‏ وتواصل ذبح غزة وتدمير بنيتها الاقتصادية والاجتماعية‏,‏ بل وتذهب إلي حد قتل المرضي بمنع علاجهم‏,‏ وحجب الحليب عن الأطفال‏,‏ ولا تتردد في قطع الكهرباء‏,‏ ومنع الوقود عن القطاع‏,‏ ذلك كله يحدث في الوقت الذي تتواصل فيه اللقاءات بين أبومازن وأولمرت‏,‏ ويجلس الوفدان يتضاحكان حول موائد الطعام‏,‏ ووسط ذهول عربي مدهش ومهين في الوقت نفسه‏.‏
لا تستغرب هذه السعادة الإسرائيلية‏,‏ لأنه في ظل العلاقة الدافئة مع قيادة السلطة الفلسطينية قام الجيش الإسرائيلي مند بداية العام الحالي بقتل‏350‏ فلسطينيا‏,‏ مقابل خمسة إسرائيليين فقط قتلتهم المقاومة‏,‏ وطبقا لبيانات المنظمات الحقوقية الإسرائيلية فإن المستوطنين قاموا منذ بداية العام بخمسة وعشرين ألف اعتداء علي الفلسطينيين‏,‏ وفي بعض مناطق الضفة‏,‏ مثل الخليل‏,‏ أدت الاعتداءات إلي نزوح أعداد كبيرة من الفلسطينيين من أحيائهم‏,‏ وبرغم جسامة وتعدد تلك الاعتداءات فلم يقدم للمحاكمة سوي مستوطن واحد أفرج عنه بكفالة مالية زهيدة‏.‏ وفي شمال الضفة اقتلع المستوطنون عشرة آلاف شجرة زيتون‏,‏ وقاموا بتسميم مئات الآبار الارتوازية‏,‏ ناهيك عن قيامهم بإطلاق قطعان كبيرة من الخنازير لتخريب المحاصيل الزراعية‏,‏ وحسب دراسة إسرائيلية فإن الحواجز العسكرية التي تقيمها إسرائيل في الضفة تؤدي إلي تعطيل حياة‏80%‏ من الفلسطينيين‏.‏
لم أتحدث عن الاعتقالات ولا الاجتياحات‏,‏ و لا مصادرة الأراضي‏,‏ ولا الجرائم التي ترتكب لحساب بناء السور‏,‏ معتبرا أن ذلك كله تنشره الصحف ويعلمه الجميع‏,‏ وما يهمني في السياق الذي نحن بصدده أن إسرائيل وهي تتفاوض مع أبومازن وجماعته لم تجد حرجا في أن ترتكب كل هذه الفواحش‏,‏ وهي مطمئنة إلي أن ضعف موقف رئيس السلطة لن يدفعه إلي الاحتجاج علي ما يجري‏,‏ ولن يخطر بباله أن يغضب ويقطع المفاوضات‏.‏
في‏10/27‏ نشرت صحيفة معاريف مقالة لكبير معلقيها بن كاسبيت قال فيها‏:‏ إن استمرار اللقاءات بين أولمرت وأبومازن أشاع ارتياحا في مختلف الأوساط الدبلوماسية‏,‏ وأن حكومات العالم أصبحت بسببها متعاطفة مع إسرائيل‏,‏ ومعنية بتواصل تلك اللقاءات دون أن تبدي اهتماما كبيرا بفحواها ونتائجها‏.‏
من ناحيته قال أمنون إبراموفيتش المعلق في التليفزيون الإسرائيلي باللغة العبرية‏:‏ لاحظوا أن جيشنا قتل خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة عشرة فلسطينيين بينهم أطفال‏,‏ دون أن يكون لذلك صدي يذكر في العالم الخارجي‏,‏ أما عوفر شيلح مقدم برنامج حصاد الأسبوع في القناة التليفزيونية العاشرة فقد قال‏:‏ إن التعاطف الذي يبديه العالم إزاء إسرائيل وتسامحه معها‏,‏ برغم ما يقوم به جيشها من عمليات تخلف قتلي في صفوف الفلسطينيين‏,‏ راجع إلي أنهم في الخارج أدركوا أن هذه الممارسات لم تؤثر علي استمرار اللقاءات بين أولمرت وأبومازن‏,‏ وكأن لسان حال العالم يقول إنهم لا يمكن أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك‏,‏ فإذا كان أبومازن يواصل لقاءاته مع أولمرت في حين يقتل الجيش الإسرائيلي أبناء شعبه‏,‏ فلماذا لا نقوم نحن بإبداء التفهم لعمليات إسرائيل العسكرية؟ ذلك كله لخصه متحدث في مكتب أولمرت حين صرح لمراسل القناة الثانية بأن المكاسب التي حققتها إسرائيل جراء اللقاءات مع أبومازن تفوق الخيال‏.‏
(3)‏
ثمة فخ منصوب تحت طاولة المؤتمر‏,(‏ تعب عليه‏)‏ السيد توني بلير‏,‏ المبعوث الدولي للشرق الأوسط ورئيس الوزراء البريطاني السابق‏,‏ وجعل له عنوانا هو إصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية ضرورة للتوصل إلي تسوية سياسية للصراع‏,‏ وهي الخطة التي أوردت تفاصيلها النسخة العبرية لموقع صحيفة هاآرتس يوم‏10/24.‏
قال السيد توني بلير في تقديم خطته‏:‏ إنه من الضروري إدخال إصلاحات جذرية علي الأجهزة المعنية التابعة للرئيس محمود عباس‏,‏ كي تصبح أقدر وأكثر كفاءة في التصدي لناشطي حركتي حماس والجهاد‏,‏ لأنه دون عمليات صارمة تقوم بها الأجهزة الأمنية ضد حركات المقاومة بشكل عام‏,‏ فإنه لا أمل في إمكان حدوث تقدم في الجهود المبذولة للتوصل إلي تسوية سياسية للصراع‏,‏ ولزيادة فاعلية الأجهزة الأمنية‏,‏ فإن الخطة اقترحت إدخال إصلاحات علي الجهاز القضائي ومؤسسة النيابة العامة في الضفة لمحاكمة عناصر المقاومة وقادتها‏.‏ إلي جانب ذلك اقترحت تشكيل إدارة جديدة للإشراف علي السجون في السلطة الفلسطينية‏,‏ مع وجود إشراف أوروبي لضمان عدم الإفراج عن عناصر المقاومة الذين تتم محاكمتهم‏.‏
ودعت الخطة إلي زيادة عدد المستشارين الأوروبيين الذين يساعدون الشرطة الفلسطينية في الأنشطة التي تقوم بها لتعقب ناشطي حركات المقاومة‏,‏ إلي جانب تكثيف عمل طاقم المنسق الأمني الأمريكي الجنرال كيت دايتون المسئول عن زيادة فاعلية الأجهزة الأمنية الفلسطينية‏,‏ وتحديدا جهاز أمن الرئاسة والأمن الوطني‏.‏ ومن أغرب ما اقترحه بلير أن يتم ضم وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك ليكون أحد أعضاء لجنة ثلاثية عليا للإشراف علي تطبيق الخطة‏,‏ إلي جانب رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض وبلير نفسه‏.‏
أخطر ما في الخطة التي قدمها بلير إلي رئيس الوزراء الإسرائيلي أنها عملت علي وضع أسس لتصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين‏.‏ فبحجة العمل علي تحسين الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين اقترح إقامة مشاريع إسكان جديدة لإعادة توطين اللاجئين في الضفة الغربية‏,‏ وعلي رأس المشاريع التي اقترحها إقامة مدينة فلسطينية جديدة بالقرب من مدينة رام الله‏,‏ وسط الضفة‏,‏ تخصص لإيواء عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين بدعوي إعادة تأهيلهم‏,‏ وهي الخطة نفسها التي يدعو لها قادة ومنظرو اليمين المتطرف في إسرائيل لتصفية قضية اللاجئين‏.‏
وفي مقابل كل تلك الالتزامات التي تكبل السلطة الفلسطينية‏,‏ فإنها فقط تحث إسرائيل علي تخفيف الإجراءات المفروضة علي حرية الحركة الفلسطينية في الضفة الغربية‏,‏ حيث اعتبر بلير أنه من المهم أن يشعر الفلسطينيون في الضفة الغربية بحدوث تغير إيجابي في مستوي حياتهم‏(!!)‏
(4)‏
لا نبالغ إذا قلنا إن الموضوع الأمني هو أهم ما تريده إسرائيل من المؤتمر‏,‏ وذلك مطلب مشروع في الظروف العادية‏,‏ حين ترنو الدولة لأن تعيش في سلام مع جيرانها‏,‏ لكن حين تكون الدولة غاصبة ومحتلة‏,‏ وغاية ما تريده أن تجرد الشعب الواقع تحت الاحتلال من المقاومة‏,‏ وإن تمكن من التوسع وتغيير الواقع لمصلحة الاستيطان ونهب الأرض‏,‏ مع إحكام حصار ذلك الشعب من البر والبحر والجو‏,‏ فإن الاستجابة لتلك المتطلبات تعد جريمة ضد الإنسانية‏,‏ وتأييدها يغدو تآمرا لاتوافقا‏,‏ وهذا بالضبط ما تريده إسرائيل‏,‏ سواء في تمسكها بتطبيق المرحلة الأولي من خطة أو خريطة الطريق‏,‏ أو في ترحيبها بخطة السيد توني بلير لإصلاح مؤسسات السلطة الفلسطينية‏.‏
لقد أشرت قبل قليل إلي اتفاق أركان الائتلاف الحاكم في إسرائيل علي أن يكون الأمن بالمفهوم الذي ذكرت هو محور أي اتفاق يتم مع السلطة الفلسطينية ويتبناه المؤتمر فيما يصدر عنه من بيان أو إعلان‏,‏ وهذا ما ذكرته صراحة وزيرة الخارجية الإسرائيلية عقب اجتماعها الأخير مع نظيرتها الأمريكية‏,‏ وبالتالي فإن إسرائيل لا تريد تفاوضا حول أي شيء من عناوين القضية الجوهرية‏,‏ وهي تدرك أن الولايات المتحدة ومعها الرباعية الدولية‏,‏ تؤيد قراءتها لموضوع الأمن‏.‏
إذا لم ينفجر المؤتمر وينسف بسبب المطالب الإسرائيلية غير المعقولة‏,‏ وتمت تغطية تلك المطالب من خلال الصياغات الغامضة‏,‏ والعناوين الملتبسة‏,‏ وإزاء رفض إسرائيل لوضع جدول زمني لإقامة الدولة الفلسطينية‏,‏ فإن غاية ما يمكن أن يتوصل إليه المؤتمر هو تحديد سقف زمني للاتفاق حول القضايا الجوهرية‏,‏ وقد تحدثت السيدة رايس عن‏14‏ شهرا لتحقيق هذا الهدف‏,‏ في حين أعرب أولمرت عن تمنياته بإنجاز الاتفاق خلال عام‏,‏ ولأنه قال من قبل‏:‏ إن الأمر يحتاج إلي ما بين‏20‏ و‏30‏ عاما‏,‏ فإن هذا التحول بدا مثيرا للانتباه‏,‏ ولا تفسير له سوي أنه يريد أن يستثمر الفرصة الذهبية المتوافرة لإسرائيل حاليا‏,‏ في ظل وجود إدارة أمريكية متبنية بالكامل للأجندة الإسرائيلية‏,‏ وهي التي أعطت ورقة الضمانات لإسرائيل‏,‏ ووافقت فيها علي عدم العودة إلي حدود عام‏67,‏ وضم الكتل الاستيطانية‏,‏ ورفض عودة أي أعداد من اللاجئين إلي ديارهم‏,‏ كما أن أولمرت يريد أن يستفيد من القبول الأمريكي للملاحظات الإسرائيلية علي خريطة الطريق التي سجلها شارون في أثناء توليه رئاسة الحكومة‏(14‏ ملاحظة‏),‏ وهو ما تم في أثناء ولاية الرئيس بوش الأولي‏,‏ في بيان مشترك نادر وقعه كل من كولين باول الذي كان وزيرا للخارجية‏,‏ والسيدة رايس مستشارة الأمن القومي آنذاك‏.‏
إن الدول العربية التي رفضت مبادرتها للسلام مطالبة بالمشاركة في هذه المائدة المسمومة‏,‏ ليصبح ممثلوها شهود زور علي تأمين الاحتلال الإسرائيلي‏,‏ وهو الموقف الحرج الذي يتعارض مع كل المواقف الرسمية العربية‏,‏ أما السلطة الفلسطينية التي راهنت علي المؤتمر فلا أعرف كيف ستتصرف إزاء هذه البلطجة الإسرائيلية‏,‏ خصوصا بعد الإطراء الذي وجهه أبومازن لأولمرت‏,‏ وامتدح فيه نزاهته واستقامته‏,‏ لكن الذي أعرفه أن ثقتنا في وعي الشعب الفلسطيني أكبر بكثير من ثقتنا في كل الذين يتحدثون باسمه هذه الأيام‏.‏

0 التعليقات:

Blog Archive