لنبـــدأ بتشــخيص مشــكلة الفقــر--فهمي هويدي

الثلاثاء، 27 نوفمبر، 2007

صحيفة الاهرام المصريه 17 ذى القعده 1428هـ 27 نوفمبر 2007م
لنبـــدأ بتشــخيص مشــكلة الفقــر
بقلم : فهمـي هـويـــدي
حين فتح ملف الفقر في بر مصر وأطلقت فكرة إقامة عاصمة جديدة للبلد‏,‏ فإن ذلك جاء تعبيرا عن محاولة للتفكير بصوت عال في شأن الحاضر والمستقبل‏,‏ يستحق أن ننتبه إليه ونشارك فيه‏.‏‏
(1)‏
لقد انحاز الرئيس مبارك الي الرأي المعارض لإقامة عاصمة جديدة‏,‏ معتبرا أن الأولوية ينبغي أن تعطي لقضية مكافحة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع‏,‏ وهو تقدير قدم العاجل علي المهم‏,‏ تبني منطقا يعبر عنه فقهاء الأصول بأنه تقديم أولوية وليس تقديم أفضلية‏,‏ ذلك أن العاجل مطلوب ولايمكن تجاهله‏,‏ بقدر ما أن المهم لا يمكن استبعاده أو التقليل من شأنه‏.‏
لست في وارد مناقشة العناوين‏,‏ ولكن لي عدة ملاحظات علي منهج التفكير المطروح في شأن الحاضر والمستقبل‏,‏ أولي هذه الملاحظات أن مختلف القضايا المطروحة علي هذين الصعيدين وردت في تقرير التنمية البشرية لعام‏2005,‏ وهو التقرير الذي صدر بالتعاون بين البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة‏,‏ ومعهد التخطيط القومي‏,‏ وأشرفت علي إصداره الدكتورة هبة حندوسة التي عمل معها فريق ضم‏35‏ من الباحثين والباحثات‏,‏ وهؤلاء اقترحوا‏55‏ مشروعا وبرنامجا لتحقيق التنمية في مصر‏,‏ وكان من بينها الموضوعان اللذان أثيرا أخيرا‏,‏ وتعلق أحدهما بترشيد الدعم لتحقيق العدالة المنشودة‏,‏ ودعا الثاني إلي تحقيق التوازن بين السكان والأرض‏,‏ من خلال إقامة عاصمة جديدة للبلاد‏.‏
موضوع ترشيد الدعم ورد في سياق فكرة تحدثت عن ضرورة الاتفاق علي عقد اجتماعي جديد بين السلطة والمجتمع‏,‏ وهذا العقد يتضمن حزمة إجراءات إصلاحية علي الصعيدين السياسي والاجتماعي‏,‏ وكفالة الحريات العامة هي حجر الأساس في الإصلاح السياسي‏,‏ وترشيد الدور الحكومي في توزيع السلع والخدمات هو الأساس الذي تنطلق منه محاولات تحقيق العدالة الاجتماعية‏.‏
في رأي خبراء التقرير‏,‏ أن نظام توزيع السلع والخدمات المدعومة أدي في الماضي إلي إشاعة الاتكالية وزيادة البطالة‏,‏ فضلا عن أنه لم يحل مشكلة الفقر المتفاقمة في مصر‏,‏ إذ وصلت نسبة الفقراء وفقا للمقياس الذي اعتمده التقرير الي‏34%‏ في السكان‏,‏ وفي ظل العقد الاجتماعي الجديد‏,‏ ذكر التقرير أن الدولة سوف تضطلع بمسئوليات الأمن والدفاع والعدالة‏,‏ وسوف تقدم السلع العامة الجيدة التي ترمي إلي تحقيق العدالة وتتسم بالكفاءة والفاعلية‏,‏ وفي المقابل لن يقتصر دور المواطنين علي تقديم فروض الولاء واحترام قوانين الدولة والملكية العامة وحقوق الآخرين‏,‏ بل يتعين عليهم أيضا أن يشاركوا بفاعلية في تنفيذ هذا العقد والإشراف عليه‏,‏ وفي تحمل تكاليفه المالية وفي الحفاظ علي مكاسبه ونتائجه وتأمينها‏.‏
موضوع إقامة عاصمة جديدة تحدث عنه التقرير باعتباره استجابة لدعوة الخطة الخمسية‏(2002‏ ـ‏2007)‏ إلي ضرورة زيادة المساحة المأهولة في مصر إلي‏12%,‏ وذهب خبراء التقرير إلي أن إنشاء عاصمة جديدة يمثل خطوة مهمة علي طريق إقامة منطقة جذب بديلة للتنمية‏,‏ بحيث تصبح العاصمة الجديدة قادرة علي استيعاب الأجهزة الحكومية والهيئات القومية والبعثات الدبلوماسية‏,‏ في حين تصبح القاهرة عاصمة ثقافية اذا جاز التعبير‏,‏ وهو ما فعلته باكستان حين نقلت العاصمة كراتشي إلي إسلام آباد‏,‏ وتركيا التي نقلت العاصمة من اسطنبول إلي أنقرة‏,‏ والبرازيل التي أقامت عاصمة باسم برازيليا بديلا عن ريو دي جانيرو‏.‏
اشترط التقرير أن تبعد العاصمة الجديدة عن القاهرة والوادي القديم بنحو‏400‏ كم‏,‏ وأن تكون في قلب الحيز العمراني المطلوب تنميته ولها قاعدة اقتصادية مجدية‏,‏ ورأي الباحثون أن هذه المواصفات تنطبق علي الصحراء الغربية‏,‏ بحيث تصبح العاصمة الجديدة قريبة من توشكي‏,‏ أو من مشروع فوسفات أبوطرطور‏,‏ ولديهم تصور لربطها عن طريق السكة الحديد بالبحر الأحمر والساحل الشمالي وجنوبا إلي قلب إفريقيا‏.
(2)‏
الملاحظة الثانية‏,‏ أن مقترحات تقرير التنمية البشرية‏,‏ برغم الجهد الكبير المبذول فيها‏,‏ تبنتها الحكومة قبل أن تطرحها علي الرأي العام في مصر‏,‏ أو حتي علي أهل الاقتصاد أو في داخل اللجان المختصة في مجلسي الشعب والشوري‏,‏ ومن الواضح أن معدي التقرير تبنوا وجهة نظر اقتصادية واحدة تنطلق من أفكار ومعايير وأنماط مدرسة الاقتصاد الحر‏,‏ التي تدعو إلي إضعاف دور الدولة وتقليص مسئوليتها عن المجتمع‏,‏ وحصر ذلك الدور في مجالات الأمن والدفاع والعدالة‏,‏ وهذه الرؤية اذا صلحت في المجتمعات الغربية‏,‏ فإن استنساخها في دول العالم الثالث ليس مضمون النجاح‏,‏ كما أنها ولدت لدي منظري المدرسة ضيقا دائما بما تقدمه الدولة من رعاية للفقراء‏,‏ وإلحاحا مستمرا علي التخفيف من مسئوليتها تجاههم‏,‏ وقد ولد ذلك الضيق نفورا لديهم من زيادة السكان‏,‏ لأنها تعني زيادة عددهم‏,‏ تعني زيادة عدد الفقراء‏,‏ وتحميل الدولة مزيدا من الأعباء‏,‏ في حين أن آخرين يعتبرون السكان ثروة بشرية‏,‏ اذا فشلت السلطة المسئولة عن المجتمع في استثمارها فإنها تتحول إلي عبء ثقيل يراد التخلص منه دائما‏,‏ أما إذا أحسنت استثمار هذه الثروة ـ كما في الصين مثلا ـ فإنها يمكن أن تحقق بها إنجازات عظيمة‏,‏ علما بأن أعداد السكان في مصر وفي المجتمعات العصرية عموما تتجه بطبيعتها الي التناقص‏,‏ سواء بسبب الضغوط الاقتصادية أو بسبب تزايد الوعي وانتشار التعليم‏.‏
إلي جانب اختلاف وجهات النظر في الرؤي والمنطلقات‏,‏ فثمة خلاف أيضا حول الأولويات‏,‏ وهو ما تجسد في انحياز الرئيس مبارك الي إعطاء الأولوية لمتطلبات العدل الاجتماعي‏,‏ ودعوته إلي تأخير ترتيب أولوية مشروع العاصمة الجديدة‏,‏ وهو المشروع الذي أعلن السيد صفوت الشريف في مجلس الشوري يوم السبت‏11/17‏ أنه تلقي خطابا من الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء‏,‏ أبلغه فيه بأن الحكومة انتهت من دراسة التخطيط لإنشاء العاصمة الجديدة‏,‏ وكان ذلك مفاجأة دعت كثيرين إلي التساؤل عن الجهات التي ناقشت تلك الدراسة واعتمدتها‏,‏ بحيث فوجئ بها الجميع‏,‏ بمن فيهم رئيس الجمهورية‏.‏
(3)
الملاحظة الثالثة‏,‏ ان مختلف القرائن تدل علي أن ما سمي بسياسة ترشيد الدعم‏,‏ ومن ثم رفعه بصورة تدريجية‏,‏ هي الآن في طور الاختبار في بعض المحافظات تمهيدا لتعميمها‏,‏ إذ بالإضافة إلي التصريحات الرسمية التي تكررت في هذا الصدد‏,‏ نشرت الصحف أن الفكرة تمت تجربتها في محافظة السويس‏,‏ وفي الحوار الذي أجراه زميلنا فاروق جويدة مع الدكتور أحمد نظيف ونشره يوم الجمعة‏11/16,‏ قال رئيس مجلس الوزراء إن النية متجهة إلي رفع الدعم للسلع وتحويله إلي دعم نقدي‏,‏ وهو مشروع سينفذ علي مراحل تبدأ بمن يطلب الدعم النقدي‏,‏ وفي طور لاحق تتولي مؤسسات الشئون الاجتماعية إجراء مسح يتحدد في ضوئه الأفراد والفئات التي تستحق الدعم‏,‏ وتلك التي لا تستحقه‏.‏
وهو يشرح الفكرة‏,‏ ضرب الدكتور نظيف مثلا بأنبوبة البوتاجاز التي تباع بثمانية جنيهات‏,‏ في حين أن القيمة الحقيقية لها‏40‏ جنيها‏,‏ واذا كانت الأسرة تستخدم أنبوبتين في الشهر‏,‏ فإنها ستتلقي‏80‏ جنيها نقدا لهذا الغرض‏,‏ وفيما يتعلق بالخبز‏,‏ فإن الرغيف الذي يباع بخمسة قروش يكلف الدولة‏25‏ قرشا‏,‏ وفي هذه الحالة فإن الدولة ستقرر لكل فرد من الفقراء‏75‏ قرشا قيمة ثلاثة أرغفة لكل يوم‏,‏ أما القادرون فسوف يشترون السلعة بسعرها الحقيقي‏.‏
أضاف الدكتور نظيف أن موضوع إلغاء الدعم تدرسه الحكومة منذ عامين‏,‏ وأنها طلبت من البنك الدولي أن يفيدها بما حققته خبرات الدول الأخري في هذا المجال‏,‏ وأشار في حديثه إلي المكسيك‏,‏ حيث يبدو أن فكرة البدل النقدي طبقت بصور مختلفة في دول أمريكا اللاتينية‏,‏ تشيلي والبرازيل فضلا عن المكسيك‏.‏
في نفس الأسبوع الذي تحدث فيه الدكتور نظيف‏,‏ نشرت مجلة نيوزويك ملفا عن تجارب دول أمريكا اللاتينية في مكافحة الفقر‏,‏ وقالت إن فكرة إلغاء الدعم وتوزيع بدل نقدي علي الفقراء تنطلق من أن التجربة أثبتت أن الدفع النقدي لتحسين أحوالهم أجدي وأفضل كثيرا من إهدار المال علي بيروقراطية التخفيف من الفقر‏,‏ التي تمثلت في دعم السلع والخدمات‏,‏ الذي يستفيد منها غير الفقراء‏..‏ ولكن هذا الدفع مشروط‏,‏ حيث تلزم الأسرة التي تتلقي النقد أن تبقي علي أولادها في المدارس‏,‏ وأن تصطحب أطفالها كل شهر إلي العيادة الصحية المحلية‏,‏ لأن من شأن ذلك أن يربي في الأسرة جيلا نافعا يستطيع أن يتحمل أعباءها في المستقبل‏,‏ وهناك من يشكك في نجاح العملية‏,‏ معبرا عن الخشية من أن تتصور الأسرة الفقيرة أن تلقيها للأموال من الدولة هو وضع دائم ونظام حياة مستقر‏,‏ وليس برنامج مساعدة طارئة‏.‏
ما أريد أن أقوله إن الأمر بالغ الصعوبة والتعقيد‏,‏ وأن ما حققته التجربة في أمريكا اللاتينية لا يعني بالضرورة أنها يمكن أن تنجح في مصر‏,‏ فحصر الفقراء مشكلة‏,‏ والاعتماد علي البطاقات التموينية لا يحلها‏,‏ علما بأن هناك أعدادا هائلة من الفقراء لا علاقة لهم بالبطاقات‏,‏ وأطفال الشوارع نموذج واحد لهؤلاء‏,‏ من ناحية أخري فإن توزيع البدل النقدي يتطلب جهازا إداريا قويا ونزيها‏,‏ ولأننا نعلم كم الفساد في المحليات فلنا أن نتصور ما يمكن أن تفعله تلك الأجهزة الفاسدة‏,‏ حين تؤتمن علي توزيع ملايين الجنيهات علي الفقراء‏,‏ ولنا تجارب مريرة مع تلك الأجهزة في مشروعات توزيع المساكن الشعبية وفي ممارسات الجمعيات الزراعية في القري‏.‏
(4)‏
ملاحظتي الأخيرة‏,‏ انني أخشي من أن يجرفنا الحماس بعيدا‏,‏ فننشغل بعلاج العرض وننسي المرض‏,‏ ونتعلق بالفروع متجاهلين الأصول والجذور‏,‏ صحيح أن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء هو ظاهرة عالمية‏,‏ كما بين تقرير نيوزويك إلا أنها لا تصل إلي حد الخطر بسبب قوة اقتصاد الدول الصناعية‏,‏ ولكنها في مصر بلغت ذلك الحد بسبب الخلل في الهيكل الإنتاجي والعجز المستمر في ميزان المدفوعات‏,‏ واتباع بعض السياسات التي تجلب دخولا إضافية للموازنة‏,‏ لكنها تحدث هزات اجتماعية قوية‏,‏ كما حدث في بيع الأراضي في المزاد‏,‏ الذي أحدث زلزالا أثر في أسعار السكن والأراضي ومواد البناء‏,‏ وأجور العاملين في المعمار‏,‏ وكما حدث في خصخصة المشروعات التي نقلت مصانع ومرافق عدة من أيدي القطاع العام الذي هو في رعاية الدولة ويفترض أنه خاضع لسياساتها وأهدافها‏,‏ إلي القطاع الخاص الذي دخل مدفوعا بالرغبة في تحقيق الربح بلا قيد ولا شرط‏
الأمر الذي أدي إلي رفع الأسعار علي نحو اكتوي الجميع بناره‏,‏ وحين تخلصنا من المصانع والمرافق بسبب سوء الإدارة ولم نحاول إصلاح ما فسد فيها‏,‏ فإننا لم نختلف كثيرا عن الذي وجد ابنا له ساء أدبه وانحرف‏,‏ فقتله وألقي بجثته إلي الشارع‏.‏
لست أشك في حسن نيات وإخلاص الذين يحاولون علاج مشكلة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية في مصر‏,‏ ولكن الحل لا يتم بالنيات الحسنة‏,‏ وإنما يبدأ بالتشخيص السليم‏,‏ الذي هو نصف الطريق إلي بلوغ الحل السليم‏,‏ وهذا أول كلام في مناقشة الموضوع‏,‏ ولست أشك في أن الخبراء لهم كلام أكثر وأفضل‏

0 التعليقات:

Blog Archive