عن الآخر الذي لا يريد أن يرضى -- فهمي هويدي

الأربعاء، 28 نوفمبر 2007


صحيفة الشرق الأوسط الدولية الأربعاء 18 ذى القعده 1428 هـ 28 نوفمبر 2007 م
عن الآخر الذي لا يريد أن يرضى
فهمى هويدي

شهدت مدينة فاس مؤتمراً دولياً حول الحضارات والتنوع الثقافي أسفر عن اصدار إعلان مهم بشأن الموضوع. لكن بدا وكأنه نغمة نشاز وسط أجواء صراع الإرادات الذي احتل الفضاء الإعلامي وشغل الناس طيلة هذا الاسبوع، ولا يزال مستمراً حتى هذه اللحظة، بتجلياته الظاهرة في لبنان، وفي انابوليس بالولايات المتحدة من ثم. ففي حين كان المثقفون يتحاورون في المدينة العريقة خلال الأيام من 3 إلى 25 ـ11، كان السياسيون يتجاذبون ويتراشقون ويتحفزون في بيروت وأنابوليس.
بطبيعة الحال فإن صوت السياسيين طغى واستأثر بالاهتمام، بحيث ظلت أخبارهم متصدرة عناوين الصحف طوال الاسبوع. أما حوار المثقفين فإنه بالكاد احتل مكانة في الصحف المغربية. ولا غرابة في ذلك، فالأولون هم الذي يقررون مصير العالم، أما المثقفون فإنهم ـ إذا سمعت أصواتهم ـ يخاطبون عقول بعض الناس وضمائرهم.
كان ظني أن مسألة الحوار بين الحضارات قد تم تجاوزها بين قادة الدول الغربية الكبرى، الذين انحازوا في نهاية المطاف الى أساليب الضغوط والإملاء. خصوصاً حين وجدوا أن كلمتهم مسموعة وآراءهم نافذة، على الأقل في أغلب أقطار العالم العربي والاسلامي، الأمر الذي جعلهم في غير حاجة للجوء الى الحوار. ورغم أن ذلك الظن لم يخب تماماً، لأن السياسيين الغربيين لم يحددوا حتى الآن متغيراً يضطرهم للعدول عن اسلوب الضغوط والإملاء، إلا إنني وجدت في لقاء فاس جماعة من الناس لا يزالون يحلمون بإحياء روح الحوار بين الحضارات والدعوة الى احترام تعدد الثقافات بين شعوب العالم.
كنا 150 مشاركاً من 36 بلداً دعاهم المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والدولية بالتعاون مع أمانة مدينة فاس، وهؤلاء جاءوا من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وبعض أقطار العالم العربي.
ويبدو أن موازين القوة الثقافية لعبت دورها في خريطة المشاركين، ففي حين حضر 34 شخصاً من فرنسا وحدها، فإن واحداً فقط دعي من أفريقيا (شاعر من السنغال). ولم يشارك أحد من آسيا (باستثناء إيران) ولا أمريكا اللاتينية، وأغلب الظن أن الشعور الطاغي بمدى قوة التحدي الذي تمثله الحضارة الغربية للعالم العربي والإسلامي كان وراء ذلك التباين في التمثيل الذي كان يحصر الحوار مع الغرب، معرضاً عن الحديث مع الشرق.
ولا أستبعد أن تكون العوامل الاقتصادية قد أسهمت في إخراج الصورة على ذلك النحو، لأنني علمت مثلاً أن السفارة الفرنسية هي التي تكفلت مثلاً بدعوة ذلك العدد الكبير من المثقفين الفرنسيين.
لك أن تتصور العناوين التي فرضت نفسها على المؤتمر، وكان طبيعياً أن يبحثها سواء فيما تعلق بالأهمية الحيوية لإشاعة روح الحوار واحترام تعدد الثقافات، سواء على مستوى القيم الثقافية والاجتماعية، أو على مستوى الديانات والهويات، أو على مستوى نقد مقولة صراع الحضارات، أو على صعيد القيم المشتركة بين المجتمعات الإنسانية، ما تمثله الهجرات الراهنة والعولمة في فرض نمط جديد من حوار الثقافات والارتقاء بالعلاقات الدولية.. الخ.
دار أغلب الحوار باللغة الفرنسية، التي هي اللغة الثانية في المغرب، وهي الأولى عند عدد غير قليل من المثقفين، وكان بوسع الأمريكيين والقادمين من بريطانيا أن يتحدثوا بلغتهم الإنجليزية بكل ثقة، شأنهم في ذلك شأن أبناء الدول الكبرى.
أما العرب الذين لا يجيدون الفرنسية فقد استشعروا غربة طول الوقت، حيث لم يجدوا أحداً يفهم «رطانتهم» من بين السائقين وموظفي الفندق والمطعم. واحتاجوا دائماً الى «صديق» يترجم رغباتهم الى الآخرين وخفف عنهم الحرج ان بعض المنظمين كاون يجيدون العربية وعلى رأسهم مدير المركز الراعي الدكتور عبد الحق عزوزي.
كانت لدي ورقة طلب مني إعدادها حول «ديانة الآخر»، وهو الموضوع الذي عرضت له في اثنين من كتبي، أحدهما صدر تحت عنوان «الإسلام والديموقراطية»، والثاني كان عنوانه «مواطنون لاذميون»، وانتهزت فرصة الوقت الذي أتيح لي وسط زحام المتحدثين لأفرغ بعض ما في صدري إزاء قضية حوار الحضارات والثقافات، التي هي عنوان المؤتمر، الى جانب قضية ديانة الآخر التي طلب مني أن أسلط الضوء عليها.
اعتبرت أن انعقاد المؤتمر والآراء التي أبديت فيه حول ضرورة الحوار بين الحضارات، فضلاً عن احترام تعدد الثقافات، مرور كاف على عنوان «صدام الحضارات» الذي أطلقه الباحث الأمريكي صمويل هنتنجنتون. وكان من رأيي أن مسؤولية المثقفين أكبر في محاولة إقامة ذلك الحوار لأن السياسيين تحكمهم موازين القوة وحساباتها، في حين أن موقف المثقفين المعرفي والأخلاقي يوفر للمتحاورين منهم حالة من الندية والاحترام المتبادل، تيسر التواصل فيما بينهم وتوفر إمكانية العثور على قواسم مشتركة تيسر إنجاح مهمتهم.
قلت أيضاً إن المسؤولية الأخلاقية للمثقفين تفرض عليهم أن يترجموا حرصهم على التواصل والاحترام المتبادل الى مواقف مستقيمة وواضحة إزاء القضايا العالقة التي تضعف ثقة المواطن العربي والمسلم بنزاهة المثقفين الغربيين حيث لا أفهم مثلاً أن يقف أولئك المثقفون في جبهة واحدة دفاعاً عن البيئة، أو ضد انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور، ثم يتجاهلون الاحتلال الاسرائيلى للأراضي العربية وفي الوقت ذاته ليس معقولاً أن يهتف المثقفون لشعار تعدد الثقافات، ثم يلتزمون الصمت أمام القرارات العنصرية والظالمة التي صدرت في عدة أقطار أوروبية بمنع ارتداء الحجاب في المدارس والدوائر الحكومية، وإزاء تحويل المسلمين كافة والملتحين أو المترددين منهم على المساجد خاصة الى مشتبهين.
عندما حان أوان الكلام عن ديانة الآخر، قلت إننا منذ أحداث 11 سبتمبر ـ أيلول ونحن نحاول جاهدين أن نتحرر من هذه المسألة ونؤكد للجميع أنه لا مشكلة لدينا مع ديانة الآخر، وأننا نعترف بمختلف الديانات في حين أنها لا تبادلنا الاعتراف، لا على المستوى العقيدي ولا على المستوى الحضاري. فلا الكنائس المسيحية اعترفت بالاسلام كدين سماوي، ولا الدول الغربية ـ بل ولا أكثر المثقفين الغربيين ـ على استعداد للقبول بأن للمسلمين حضارة وثقافة أخرى واجبة الاحترام. وقد ذكر نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام في القرآن أربع مرات، في حين ذكر النبي عيسى أكثر من عشرين مرة، والنبي موسى عليه السلام أكثر من مائة مرة. بل إن الاسلام ما دخل بلداً مبلغاً إلا وأبقى على كل ما فيه من مكونات ثقافية، وفسيفساء المعتقدات والملل التي يزخر بها العالم الاسلامي الآن تشهد بذلك. اذ ما كان لهذه الملل ان تستمر ـ اليزيديين والصابئة والزرادشت ـ في قلب المجتمعات الاسلامية على مدى القرون التي خلت إلا لأن المسلمين احترموا عقائدهم انطلاقاً من التعاليم القرآنية التي تمنع الإكراه في الدين.
هذا الكلام قلناه مراراً وتكراراً منذ أحداث سبتمبر التي ظلمت المسلمين بقدر ما آذت الغربيين، ولكن الصورة النمطية للإسلام والمسلمين المستقرة في أذهان الغربيين لم تتغير لأسباب يطول شرحها. لا يحتل الحيز المتاح عرضاً لمضمون الورقة التي أعددتها في تبيان موقع الآخر في التفكير الاسلامي. ولذلك سأشير فقط الى عناوينها، حيث اعتبرت أن ثمة ستة محددات تحكم نظرة الإسلام الى ديانة الآخر. الأول أن الإسلام يعتبر كل الناس أخوة، وأنهم خلقوا من نفس واحدة، الثاني أن كل انسان له حق الكرامة الإنسانية بغض النظر عن عرفه أو اعتقاده، الثالث أن الاسلام يعتبر الاختلاف بين الناس من سنن الله في الكون، الرابع أن الإقرار بحق الاختلاف يوفر لكل آخر شرعيته. الخامس أن الاختلاف لا ينتقص من حقوق الآخر وواجباته لأن العلاقة لا تقوم على مقتضى الكفر والايمان بل على أساس المحاربة أو المسالمة. السادس والأخير أن المسلمين مأمورون بالتعاون مع الجميع في كل ما هو بر وخير، إذا ما توفرت شروط المسالمة والرغبة في التعايش بطبيعة الحال.
لا أعرف إن كان المستمعون قد اقتنعوا بما قلت أم لا، لكنني أعرف جيداً أن كل ما نقوله لإيضاح موقف الإسلام من أي قضية لن يحدث أثره ما لم يتمكن المسلمون من إقامة نموذج يتحرك على الأرض، يترجم بصورة صادقة وأمينة قيم الإسلام التي نعتز ونروج لها. أعرف أيضاً أن الشوط لا يزال بعيداً بيننا وبين أمل إقامة ذلك النموذج


0 التعليقات:

Blog Archive