هزمنا في أنابوليس بوثيقة قاصمة - فهمي هويدي

الثلاثاء، 4 ديسمبر، 2007

صحيفة الاهرام المصرية الثلاثاء 24 ذى القعده 1428 هـ 4 ديسمبر 2007م
هزمنا في أنابوليس بوثيقة قاصمة
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي


لم يخيب مؤتمر أنابوليس رجاء الذين أساءوا الظن به ورفضوا المراهنة عليه‏,‏ لأن حصيلته جاءت كارثية بالنسبة للفلسطينيين‏,‏ ومهينة للعرب أجمعين‏

‏(1)‏
خلال الأسابيع التي سبقت المؤتمر ظل رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس يشدد علي أنه لن يذهب إلي أنابوليس قبل إعلان أولمرت تجميد الاستيطان ووقف البناء في جدار الفصل العنصري ورفع الحواجز العسكرية في أرجاء الضفة‏,‏ وقال في أكثر من مناسبة وتصريح‏:‏ إن مشاركته في المؤتمر مشروطة أيضا بالتوصل إلي وثيقة مبادئ تحدد مسبقا مصير القضايا الأساسية في الصراع‏:‏ القدس‏,‏ واللاجئون‏,‏ والحدود‏,‏ والمستوطنات‏,‏ والأمن‏.‏هذه المشاركة المشروطة كان لها صداها في أكثر من بلد عربي‏,‏ فقد قرأنا تصريحات قوية صدرت من أكثر من عاصمة تحدثت عن ضرورة الانطلاق في المؤتمر من مرجعيات واضحة ترتكز علي قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة‏,‏ وقرار مجلس الأمن رقم‏242,‏ بحيث يظل الأساس هو العودة إلي حدود عام‏1967,‏ وتطبيق قرار الأمم المتحدة رقم‏194‏ الخاص بعودة اللاجئين‏,‏ ومبادرة السلام العربية التي تحدثت عن الأرض مقابل السلام‏,‏ ونبهت تلك التصريحات المعلنة إلي أن خريطة الطريق التي أطلقتها الإدارة الأمريكية ينبغي أن تظل مجرد الية للتنفيذ وليست مرجعية‏.‏ كما أفاضت في الحديث عن الاستحقاقات التي ينبغي أن تفي بها إسرائيل قبل الذهاب إلي المؤتمر‏,‏ وفي مقدمتها وقف بناء المستوطنات‏,‏ وإلغاء أو الحد من نقاط التفتيش التي تعوق حركة الفلسطينيين بالضفة‏..‏ إلخ‏.‏

ومن بين ما أعلنته دمشق أن مشاركتها معلقة علي إدراج موضوع احتلال هضبة الجولان علي جدول أعماله‏,‏ وأعلن رسميا في أثناء اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير في القاهرة‏,‏ أن دمشق تلقت وعدا بالاستجابة لمطلبها‏.‏في هذه الأجواء المسكونة بالتشدد في المواقف والمطالب‏,‏ تحدث أبومازن مرارا عن أن المؤتمر فرصة لن تتكرر لإحلال السلام في الشرق الأوسط‏,‏ وسار في الركب نفر من الكتاب الذين ما برحوا يبشروننا بفجر السلام الذي لاح‏,‏ وأمله الذي حل بعد طول انتظار‏,‏ وإرهاصات اليسر التي تجلت بعد سنوات الإحباط والعسر‏,‏ بعد ذلك التصعيد في الاشتراطات والتعبئة الإعلامية المتفائلة‏..‏ ما الذي حدث؟

(2)‏
حدث الكثير في أثناء المؤتمر وبعده‏,‏ من ذلك مثلا‏:‏
ـ أن كل ما أعلن من شروط‏,‏ سواء من جانب العرب تم تجاهلها‏,‏ وذهب الجميع دون أن يلبي أي شرط منها‏,‏ أو أبو مازن الذي قال إنه لن يذهب ولن يوقع إلا إذا حدث كذا وكذا‏,‏ ذهب راضيا‏,‏ ووقع مرغما‏,‏ حتي إن صحيفة هاآرتس ذكرت في عدد‏11/28‏ أن الرجل حين تردد في التوقيع علي وثيقة التفاهم بعدما اكتشف أنها تجاهلت مطالبه‏,‏ فإن وزيرة الخارجية الأمريكية وبخته قائلة‏:‏ اقلعوا عن هذه الألاعيب والمناورات ويجب أن نتفق الآن‏,‏ فوقع صاغرا‏,‏ حسب ماذكرته صحيفة هآرتس

ـ حين أعلنت وثيقة التفاهم فإنها لم تستجب لأي مطلب فلسطيني أو عربي‏,‏ وكل ما قالته إن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي وافقا علي البدء فورا في مفاوضات ثنائية‏(‏ لا دخل للعرب بها‏,‏ وليسوا طرفا فيها‏)‏ لحل جميع القضايا العالقة‏,‏ وستشكل منهما لجنة متابعة لهذا الغرض‏,‏ من مهامها تنفيذ الواجبات التي تمليها خريطة الطريق‏,‏ كما ستشكل هيئة أمريكية ـ فلسطينية ـ إسرائيلية للتثبت من الالتزام بالخريطة المذكورة‏,‏ بالتالي فإن الوثيقة لم تضف جديدا حين تحدثت عن إطلاق مفاوضات حاصلة بالفعل‏(‏ أبو مازن وأولمرت اجتمعا تسع مرات‏,‏ ويلتقيان بصورة منتظمة كل أسبوعين‏),‏ كما أنها لم تشر إلي أية مرجعية للمفاوضات سوي خريطة الطريق‏,‏ التي ذكرت ست مرات في النص المعلن‏,‏ ومن ثم تم تجاهل مبادرة السلام العربية التي كانت الدول العربية قد أعلنت أن الالتزام بمرجعيتها شرط لمشاركتها في المؤتمر‏,‏ وهي صفعة للعرب تلقاها الجميع في صمت‏.‏

ـ برغم الاعتراض الفلسطيني علي وصف إسرائيل بأنها دولة يهودية‏,‏ وهو ما تم تجنبه في وثيقة التفاهم‏,‏ فإن كلا من الرئيس بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت تحدثا في خطابيهما صراحة عن يهودية الدولة‏,‏ الأمر الذي يفتح الباب علي مصراعيه لنفي وطرد العرب الموجودين في إسرائيل‏,‏ في حين يغلقه تماما في وجه اللاجئين الفلسطينيين‏.‏

ـ في‏11/28‏ اعتبرت القناة الثانية في التليفزيون الإسرائيلي أن أولمرت حقق إنجازا كبيرا في المؤتمر‏,‏ وأن الوثيقة التي أعلنها الرئيس بوش جاءت ملبية لمطالب الجناح اليميني المتطرف في الحكومة الإسرائيلية‏,‏ حيث لم تكن سوي إعلان نوايا فضفاض لا يلزم إسرائيل بشيء‏.‏

ـ لم يكد أولمرت يصل إلي إسرائيل بعد المؤتمر حتي أعلن عن ثلاثة لاءات اعتبرتها الأهرام تهديدا بنسف الوثيقة التي لم يكن قد جف مدادها بعد‏,‏ حيث صرح لوسائل الإعلام بأنه لا مجال للتفاوض حول القدس‏,‏ وليس هناك التزام بموعد نهائي للمفاوضات‏,‏ ولن يكون هناك اتفاق قبل القضاء علي كل أثر للمقاومة التي وصفها بأنها ضمن خلايا الإرهاب‏.‏

ـ موضوع الجولان تم نسيانه‏,‏ ولم يعد إلي ذكره أحد‏,‏ مما يعني أن الوعد بإدراجه لم يكن التزاما بقدر ما كان جزرة أريد بها جذب سوريا لحضور المؤتمر لتوفير الإجماع العربي‏.‏

‏(3)‏
بعدما أطيح بالمبادرة العربية‏,‏ وتحول العرب إلي كومبارس في خلفية الصورة التي احتل أولمرت صدارتها متكئا علي بوش‏,‏ في حين سار وراءهما أبو مازن‏,‏ فإن الفلسطينيين خرجوا مكبلين بكارثتين من العيار الثقيل هما‏:‏

‏*‏ الإقرار في وثيقة التفاهم بمرجعية خريطة الطريق دون غيرها‏,‏ ومن ثم إسقاط المرجعيات الأخري بما في ذلك قرارات الأمم المتحدة‏,‏ الأمر الذي ارتهن القضية كلها بالإرادة الأمريكية‏,‏ ولا تنس أن الحكم في أي خلاف فلسطيني ـ إسرائيلي صار أمريكيا أيضا‏,‏ وله خلفية تنسيق مع الإسرائيليين‏,‏ وللعلم فإن الخريطة تتضمن ثلاث مراحل‏,‏ وإسرائيل معنية بالمرحلة الأولي دون غيرها‏,‏ التي تقضي بوقف العنف والتحريض عليه‏,‏ مع عودة التنسيق الأمني بين الطرفين‏,‏ وهو ما يعني إنهاء المقاومة وقمع معارضي الاستسلام لإسرائيل‏,‏ وملاحقة الجميع من خلال التنسيق الأمني‏.‏

في هذه الحالة فإن السلطة الفلسطينية تصبح ملزمة بإعلان حرب مفتوحة علي فصائل المقاومة بالتعاون مع الإسرائيليين من خلال التنسيق الأمني معهم‏,‏ وهو المشهد العبثي وغير المعقول الحاصل الآن في الضفة الغربية‏,‏ وقد بدأت أولي حلقاته في نابلس‏,‏ حيث قامت الأجهزة الأمنية الفلسطينية‏,‏ بالتعاون مع الأجهزة الإسرائيلية بملاحقة عناصر المقاومة وتجريدها من سلاحها‏,‏ قبل الذهاب إلي أنابوليس تأكيدا لالتزام السلطة بخريطة الطريق‏,‏ ولم يقف الأمر عند ذلك الحد‏,‏ لأن القيادة الإسرائيلية قامت بتزويد السلطة ببعض الدبابات الروسية والبنادق والذخيرة لتعزيز قدرتها وإنجاح مهمة التحرير الجديدة التي بدأت في النهوض بها‏!!‏

هذا التحول المثير دفع بعض الباحثين إلي المقارنة بين ممارسات الأجهزة الأمنية الفلسطينية في ظل حكومة سلام فياض‏,‏ وبين جيش لبنان الجنوبي الذي قاده انطوان لحد‏,‏ وأنشأته إسرائيل لتعزيز مصالحها الأمنية في لبنان‏,‏ وقد أشار إلي هذه المقارنة الدكتور غسان الخطيب الذي تولي عدة مناصب وزارية في حكومات أبو مازن‏,‏ في مذكرة أعدها بالتعان مع بعض الباحثين الإسرائيليين‏,‏ ومن هؤلاء العقيد المتقاعد داني رشيف الذي كان من بين الذين أشرفوا علي تشكيل جيش لبنان الجنوبي‏,‏ وفي سياق حديثيه علي المقابلة بين الحالتين اللبنانية والفلسطينية قال إن القوتين العسكريتين دربتا وجهزتا من جانب قوات أجنبية لمواجهة أجنحة في مجتمعها‏,‏ وليس لمواجهة عدو خارجي‏,‏ وهو ما يهدد شرعية أجهزة الأمن الفلسطينية لأن المجتمع سينظر إليها باعتبارها تخدم العدو الأول للفلسطينيين‏.‏‏

*‏ الكارثة الثانية تمثلت في تبني الوثيقة لما سمي برؤية بوش‏,‏ التي أطلقها في عام‏2002‏ ودعا فيها إلي إقامة دولتين إحداهما إسرائيلية‏(‏ خالصة لليهود‏),‏ وأخري عربية لتستوعب الفلسطينيين ومصممة بحيث تتوافق مع المصالح الإسرائيلية‏,‏ وهو ما أعلن عنه صراحة شمعون بيريز‏,‏ ورددته وزيرة الخارجية تسيبي ليفني في مؤتمر الدول المانحة الذي عقد في نيويورك خلال سبتمبر الماضي‏.‏

من ثم فهذه الدولة لا علاقة لها بالحلم الفلسطيني‏,‏ لأنه أريد لها أن تكون حارسة للحلم الإسرائيلي‏,‏ إذ هي حسب رؤية بوش ليست مستقلة ذات سيادة‏,‏ لكنها كيان هلامي حدوده مؤقتة‏,‏ منقوص السيادة ومنزوع السلاح‏,‏ بل إنها ليست علي الأرض المحتلة عام‏1967,‏ التي يؤيد الأمريكيون الموقف الإسرائيلي الرافض للعودة إلي ما وراء حدودها‏.‏

ومن أسف أن أبومازن تحدث أكثر من مرة عن أنه يريد أن يستعيد من إسرائيل مساحة الضفة وغزة المقدرة بـ‏6205‏ كيلومترات مربعة‏,‏ ولم يربط ذلك بحدود‏4‏ يونيو‏67,‏ وألمح هو وبعض أركان السلطة إلي القبول بمبدأ تبادل الأراضي الذي يعني الإبقاء علي المستوطنات في الضفة‏(150‏ مستوطنة يسكنها نصف مليون شخص بالإضافة إلي‏200‏ بؤرة استيطانية‏),‏ مقابل إعطاء الفلسطينيين مساحة مماثلة في أي مكان آخر في صحراء النقب مثلا‏.‏

وخطورة هذه الفكرة تتمثل في أمرين‏,‏ أولهما أن القبول بمبدأ تبادل الأراضي التي هي جوهر الصراع يفتح الباب لتبادل السكان‏,‏ ومن ثم طرد فلسطينيي‏1948‏ لتبقي إسرائيل لليهود وحدهم‏,‏ والثاني أن إسرائيل التي تسرق‏85%‏ من مياه الضفة‏,‏ أقامت المستوطنات فوق‏70%‏ من هذه المياه‏,‏ الأمر الذي يعني استمرار استئثار إسرائيل بتلك المياه‏,‏ واجتماع هذين العاملين في الدولة الفلسطينية المزعومة من شأنه أن يسهم في الإجهاز علي القضية الفلسطينية وتصفيتها‏,‏ وهو ما يجعل رؤية بوش معادلة في خطورتها لوعد بلفور‏,‏ الذي به بدأت الكارثة الكبري‏.‏

‏(4)‏
أخشي ما أخشاه أن تبتلع الدول العربية الطعم المخدر‏,‏ وتتوهم أن بشائر السلام قد لاحت‏,‏ ومن ثم تبدأ في التطبيع مع إسرائيل‏,‏ ظنا منها أن الحل قادم في الطريق لاريب‏,‏ وهو احتمال ليس بعيدا‏,‏ لأن بعض العرب طرقوا هذا الباب بعد إعلان المبادرة العربية‏(2002)‏ التي رفضتها إسرائيل‏,‏ حتي قرأنا تصريحا لوزير خارجية خليجي التقي وزيرة خارجية إسرائيل قبل شهرين‏,‏ وبرر لقاءه بأنه كان يحدثها في المبادرة العربية‏,‏ كما أن وفدا يمثل الجامعة العربية زار تل أبيب لأول مرة في تاريخ الجامعة‏,‏ بدعوي شرح المبادرة‏,‏ وإذا كان ذلك قد حدث في ظل المبادرة المرفوضة‏,‏ فاحتمال حدوثه أكبر بعد إعلان الوثيقة المشبوهة التي كانت الوفود العربية من بين شهودها‏.‏

لا أعرف إن كان الدعاء يمكن أن يجدي في منع وقوع هذه الكارثة أم لا‏,‏ لكن لا بأس من المحاولة‏,‏ لأنه فيما يبدو لم يعد لها من دون الله كاشفة‏

0 التعليقات:

Blog Archive