ملاحظات علي المراجعات -- فهمي هويدي

الثلاثاء، 11 ديسمبر، 2007

صحيفة الاهرام المصرية الثلاثاء 2 ذى الحجه 1428 هـ 11 ديسمبر 2007 م
ملاحظات علي المراجعات
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي

القضايا التي تطرحها مراجعات الجهاديين أهم بكثير من المحتوي الذي قدمته‏,‏ الأمر الذي يدعونا بدورنا إلي مراجعة الكثير من مواقفنا وحساباتنا‏.‏‏

(1)‏
في منتصف الخمسينيات حين كان الشيخ محمد أبوزهرة يلقي علينا محاضراته في الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق‏,‏ سألنا ذات مرة عن الفرق بين المسلم الكيس الفطن‏,‏ والمسلم كيس القطن‏,‏ ولم ينتظر منا إجابة لأنه أجاب قائلا‏,‏ إن الفرق بين الاثنين هو ذاته الفرق بين المسلم الذكي والمسلم الغبي‏,‏ وقد تطرق الي الموضوع حين استطرد ذات مرة ليشرح لنا مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ فقال إن المسلم الغشيم هو الذي يندفع الي محاولة التغيير باليد لشيء لا يقدر عليه‏,‏ أو ينهي الناس عن أمر فيتحولون الي ما أسوأ منه‏,‏ وروي لنا في هذه المناسبة قصة ابن تيمية في الشام‏,‏ حين مر علي قوم من التتار كانوا قد شربوا حتي سكروا‏,‏ فقال له أحد أصحابه لماذا لا تنههم عن شرب الخمر‏,‏ فرد عليه قائلا‏:‏ دعهم كما هم‏,‏


لأنهم اذا أفاقوا عاثوا في الأرض فسادا‏,‏ وخلص من القصة الي أن ابن تيمية استخدم عقله في تعامله مع الواقعة‏,‏ حين وازن بين المصلحة والمفسدة‏,‏ وبين الضرر الأدني والضرر الأكبر‏,‏ وعلم من حوله أن المسلم الكيس والرشيد هو من يملك عقلا يمكنه من إحسان التعامل مع الواقع‏,‏ من خلال ضبط الموازنات وتحديد الأولويات‏,‏ ومراعاة المقاصد والمص الح في نهاية المطاف‏,‏ أما الذي يحفظ النصوص ويتعامي عن الواقع فهو المسلم الغبي‏,‏ الذي لا يختلف في شيء عن كيس القطن‏.‏

هذا الكلام قرأته في كتابات آخرين من الأساتذة والشيوخ‏,‏ من أمثال عبدالوهاب خلاف وسلام مدكور ومحمد مصطفي شلبي ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي‏,‏ الذي كان أكثر من فصل في الموضوع وأصل لفقه الأولويات والموازنات‏,‏ وحين كنت أقلب في كتب الأقدمين كنت أجده مبثوثا في جنباتها بصياغات مختلفة‏,‏ خصوصا في مؤلفات ابن القيم وابن تيمية وأبوحامد الغزالي والإمام الجويني وآخرين‏.‏

ومازلت أحتفظ بكتاب صغير كنت قد قرأته في أوائل الخمسينيات‏(‏ اشتريته بخمسة عشر قرشا‏)‏ حول حق مقاومة الحكومات الجائرة في المسيحية والإسلام‏,‏ لمؤلفه الدكتور محمد طه بدوي‏,‏ الذي كان حينذاك أستاذا مساعدا بكلية التجارة في جامعة فاروق الأول‏(‏ الإسكندرية لاحقا‏),‏ وتحدث عن موقف فقهاء المسلمين من أنظمة الحكم وانحياز أغلبهم الي موقف درء الفتنة‏,‏ اهتداء بمبدأ ترجيح المصلحة علي المفسدة‏.‏

هذه الخلفية استعنت بها فيما كتبته لاحقا‏(‏ قبل ربع قرن‏)‏ عن فقه التغيير والانكار‏,‏ وهي المقالة التي أصبحت فصلا في كتاب صدر لي في عام‏1986‏ تحت عنوان التدين المنقوص‏.‏‏

(2)‏
ما دعاني الي استحضار ذلك التاريخ أنني حين اطلعت علي وثيقة ترشيد العمل الجهادي التي شغلت الرأي العام خلال الأسابيع الأخيرة‏,‏ وكتبها منظر الحركة الدكتور سيد إمام الشريف‏,‏ الذي اشتهر بأسماء أخري‏,‏ وجدت أن الكلام المنشور ليس جديدا علي‏,‏ وانتهيت الي أن ما اعتبرته وسائل الإعلام فتوحات فكرية هو جزء من المعارف التي حصلها أمثالي من الشباب الذين انشغلوا بالشأن الإسلامي منذ نصف قرن علي الأقل‏,‏ بل كان جزءا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية التقليدية لدي أهل السنة والجماعة‏.‏


لم أفاجأ مثلا بالتنويه الي أن التكليف منوط بالعقل والعلم والقدرة‏,‏ ولا بالنهي عن استخدام العنف في مواجهة الحكام ببلاد المسلمين‏,‏ أو بالنهي عن قتل المدنيين المسلمين أو التعرض بالأذي للأجانب السائحين‏,‏ ولم أجد إضافة الي معلوماتي في شأن تكفير المسلمين أو ضوابط وأسس التعامل مع غير المسلمين‏,‏ التي ألفت فيها قبل عشرين عاما كتابي مواطنون لا ذميون‏,‏ وهذه كلها عناوين أساسية في الوثيقة‏,‏ تخلي فيها كاتبها عن الأفكار التي تبنتها مجموعات الجهاد الإسلامي في مشروعها‏,‏ وحين قلت إنها لم تضف الي معلوماتي شيئا فإنني لا أتحدث عن أمر يخصني وحدي‏,‏ وانما قصدت أنها لا تضيف شيئا الي معارف الباحثين المسلمين العاديين‏,‏ ممن نهلوا من منابع ومراجع مدرسة الوسطية الإسلامية التي ينتمي إليها غالبية أهل السنة والجماعة‏.‏

ولا أريد أن أقلل من شأن الوثيقة‏,‏ لأنها تمثل انقلابا في أساسيات مشروع جماعات الجهاد‏,‏ وانتقالا به من فكر الفرقة الي فقه الأمة‏,‏ وهي من هذه الزاوية مهمة للغاية لكل الفصائل التي انخرطت في المشروع وانطلقت من تعاليمه‏,‏ ولا تقل في أهميتها عن مراجعات الجماعة الإسلامية التي صدرت قبل عشر سنوات‏,‏ وكلها تهدر فكرة العنف وترفض التكفير‏,‏ وتتحري سبلا جديدة للتصالح مع المجتمع‏,‏ تتوافق مع ما اصطلحت عليه الأمة وتعايشت في ظله منذ قرون‏,‏ الي جانب ذلك‏,‏ فمن الانصاف أن نشيد بشجاعة الرجل الذي تبني هذه المراجعات‏,‏ ولم يتردد في نقد الأفكار التي سبق أن تبناها‏,‏ مؤثرا العودة الي الحق الذي أدركه‏,‏ بدلا من المضي العوج في الذي بدأه‏.‏‏

(3)
‏ لماذا كان العوج؟ ولماذا كانت المراجعات؟‏..‏ شغلتني إجابة السؤالين بأكثر مما شغلني محتوي الوثيقة برغم أهميته‏,‏ وقد وقعت علي إجابة السؤال الأول في ثنايا دراسة مهمة تضمنها كتاب دليل الحركات الإسلامية‏,‏ الذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام في العام الماضي‏(2006),‏ والدراسة عن منظر حركة الجهاد وصاحب المراجعات التي بين أيدينا الدكتور سيد إمام‏,‏ ونبهت الي انطلاقه من فكر المدرسة السلفية التي تركز علي مفهوم العقيدة‏,‏ ويسيطر عليها تمثل نموذج الفرقة الناجية‏,‏ وهذه المدرسة حين حصرت نفسها في ذلك الإطار فإنها انفصلت عن الواقع وميزت نفسها عنه‏,‏ ومن ثم فإنها نفرت من المجتمع واشتبكت معه‏,‏ فجرحت عقيدته وكان التكفير سبيلها الي ذلك‏,‏ ولأنها الفرقة الناجية‏,‏ ولأن المجتمع في نظرها أصبح مرتدا وفاسد العقيدة‏,‏ والكفر سمة أساسية لكل فئاته ومؤسساته وجماعاته ـ حتي الإسلامية منها ـ فإن مقاتلته وتقويض أركانه غدت رسالة الفرقة الناجية لتطهيره من الضلال الذي وقع فيه‏.‏

هذه هي الفكرة الجوهرية التي سيطرت علي أهم كتاب للدكتور سيد إمام‏,‏ الذي خرج في جزءين‏(‏ ألف صفحة‏)‏ تحت عنوان الجامع في طلب العلم الشريف‏,‏ تولي فيه تأصيل تكفير المجتمع والخروج علي حكامه ومقاتلتهم‏.‏

حدثتنا الدراسة عن أزمتين عاني منهما منظر الجهاديين‏,‏ أولاهما أزمة في الفكر تمثلت في استغراقه في مدرسة السلف واستسلامه لشعار الفرقة الناجية التي استعلت علي كل ما حولها‏,‏ وثانيتهما أزمة لدي الشخص الذي استقال غاضبا من قيادة تنظيم الجهاد في عام‏1993,‏ فأوغل في تكفير الآخرين وتشدد في ضوابط تطهير المسلم مما يشوب عقيدته‏,‏ لكي يصبح مؤهلا للانضمام الي الفرقة الناجية‏.‏

اذا حاولنا أن نجيب عن السؤال لماذا كانت المراجعات‏,‏ فسنجد أن السبب الرئيسي لذلك أن الرجل رأي بأم عينيه أن مشروعه حقق فشلا ذريعا وأنه كلف الأمة ثمنا باهظا من دماء وأرواح أبنائها وعرض مجتمعاتها لويلات وأحزان كانت في غني عنها‏,‏ وهو ما صدمه وجعله يفتح عينيه علي الدائرة الأوسع‏,‏ متجاوزا بذلك الفرقة الاستثنائية التي تقوقع في داخلها‏,‏ وحين خرج من النصوص الي الواقع‏,‏ ومن ضيق الفرقة الي سعة الأمة‏,‏ فإنه رأي المشهد من زاوية مغايرة تماما‏,‏ وكانت النتيجة أنه قرأ النصوص التي انطلق منها من منظور مغاير رأي فيه الواقع بمتغيراته والتكاليف بأولوياتها وموازناتها‏,‏ والمدارس الفكرية بثرائها وتعدد اجتهاداتها‏,‏ وهو ما أوصله الي مشارف فقه الأمة‏,‏ الذي بدا فيه فقه الفرقة مجرد نقطة في بحر كبير بلا شطآن‏.‏‏

(4)
‏ هذا التحليل يستدعي بقوة سؤالا لم نطرحه علي أنفسنا هو‏:‏ لماذا استسلم قادة الجماعات الجهادية لتعاليم الفكر السلفي وفكرة الفرقة الناجية طوال تلك السنين‏,‏ ولم يكتشفوا فقه الأمة إلا متأخرا جدا؟


في تتبعي لمسار قادة التيار الجهادي‏,‏ لاحظت عدة أمور أحسب أنها تساعدنا علي الإجابة عن السؤال‏,‏ منها مثلا أن هذه المجموعات بدأت تتوالد في أواخر الستينيات‏,‏ عقب الصدام الثاني بين ثورة يوليو وجماعة الإخوان المسلمين‏,‏ الذي ترتب عليه اعتقال عدد كبير منهم‏,‏ الأمر الذي أخلي الساحة من أي وعاء يمكن أن يستوعب الشباب المتدين‏,‏ الذي اتسعت دوائره في المناخ الذي أعقب هزيمة‏67,‏ وكانت تلك هي الأجواء التي تمدد فيها الفكر السلفي في أنحاء مصر ليملأ الفراغ المخيم علي ساحتها‏,‏ ملبيا أشواق أجيال من الشباب المتدين التي كانت تبحث عمن يأخذ بيدها‏.‏

لاحظت أيضا أن أغلب مؤسسي المجموعات الجهادية والجماعة الإسلامية كانوا من النابهين في الكليات العملية‏(‏ عدد غير قليل منهم كانوا من صعيد مصر الذي يعد أحد منابع الغلو‏),‏ فسيد إمام صاحب المراجعات وأيمن الظواهري وناجح إبراهيم تخرجوا في كلية الطب‏,‏ وعبدالسلام فرج كان مهندسا وكذلك صفوت عبدالغني‏,‏ وأسامة رشدي تخرج في الصيدلة‏,‏ وشكري مصطفي تخرج في الزراعة‏,‏ وكرم زهدي درس التعاون الزراعي وعصام القمري كان ضابطا‏,‏ وكذلك عبود الزمر‏..‏ وهكذا‏,‏ هؤلاء جميعا اتصلوا بالعلوم الشرعية إما في أثناء دراستهم في الجامعات أو بعد تخرجهم‏,‏ ولأنه لم يتوافر لهم نصيب من الثقافة الإسلامية الوسطية‏,‏ التي صاغها فقه الأمة‏,‏ ولأن الفكر السلفي المعني بشئون العقيدة وسلوك الناس والمتشدد في التعلق بالنصوص‏,‏ هو الذي توافر لهم في الساحة التي غابت عنها أوعية مدارس الوسطية‏,‏ فقد كان طبيعيا أن ينجذب أمثالهم من الشباب الي ذلك الفكر ويوغلوا فيه‏,‏ الي الحد الذي أوصلهم الي ما وصلوا إليه‏.‏

هذا التحليل اذا صح‏,‏ فإنه يقودنا الي خلاصة مهمة تتمثل في أننا حين لم نوفر للشباب سبل تحصيل حد معقول من الثقافة الإسلامية‏,‏ فإننا دفعناهم دفعا الي الارتماء في أحضان الفكر السلفي‏,‏ كما أنه ينبهنا الي فشل‏,‏ بل خطورة‏,‏ فكرة تجفيف الينابيع التي تبنتها بعض الأطراف المشتبكة مع التيار الإسلامي‏,‏ حيث أثبتت التجربة التي نحن بصددها أن ذلك التجفيف من أهم العوامل التي تشجع علي التطرف والإرهاب‏,‏ في حين أن التدين الرشيد هو الذي يقوي مناعة الشباب ويحصنهم ضدهما‏.‏

ثمة خلاصة أخري يتعين الانتباه إليها‏,‏ وهي أن هذا الجيل من الشباب العربي الذي كان يحلم بالمجتمع المثالي‏,‏ واندفع في طريق العنف ليحقق التغير الذي ينشده‏,‏ حين يكتشف خطأ الطريق الذي تنكبه‏,‏ فإننا ينبغي ألا نكتفي بذلك‏,‏ وانما يجب أن نوفر له طريقا بديلا يعطيه أملا في إمكان إحداث التغير المرجو بالطرق السلمية‏,‏ لأن تيسير الحلال هو أنجع الأساليب لقطع دابر الحرام‏


0 التعليقات:

Blog Archive