المسكوت عنه في قضية الدعم -- فهمي هويدي

الثلاثاء، 18 ديسمبر، 2007

صحيفة الأهرام المصرية الثلاثاء 9 ذى الحجة 1428 هـ 18 ديسمبر 2007 م
المسكوت عنه في قضية الدعم
بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي

التبس الامر علينا‏,‏ إذ بعدما تصورنا الدعم حلا لمشكلة‏;‏ فإننا فوجئنا هذه الايام بأنه ذاته أصبح مشكلة تبحث عن حل‏...!‏

(1)
‏ في معاجم العرب فإن الدعم يقصد به السند الذي يحول دون الميل أو الوقوع‏,‏ وعند ابن منظور في لسان العرب فإن دعم الشيء إقامته إذا مال‏,‏ والداعم هو القادر وذو المال الكثير‏,‏ وعند صاحب المحيط فإن الدعم أن تقيم المائل وتقويه بدعامة تدعمه من خلفه‏,‏ وهو نفسه ما يقوله صاحب المنجد‏,‏ فدعم الشيء سنده لئلا يميل وأعانه وقواه‏,‏ وأدعم اتكأ علي الدعامة واستند‏,‏ ودعامة القوم سيدهم‏.‏

والدعم في الاقتصاد ليس منة من أحد ولا منحة‏,‏ ولكنه بعض الواجب الذي ينبغي أن تنهض به الدولة لحماية الضعفاء والمهمشين‏,‏ وهو يمثل المبالغ التي تدفعها الدولة‏,‏ بصورة مباشرة أو غير مباشرة‏,‏ لكي تقدم السلع والخدمات بأسعار تقل عن تكلفتها الحقيقية‏,‏ لكي تخفف علي أولئك الضعفاء أعباء الحياة وتعينهم عليها‏.‏

وفي التعريف الاقتصادي ينصرف الدعم إلي المبالغ المدفوعة فعلا‏,‏ أما الفرق بين السلعة تنتج محليا وبين قيمتها بالأسعار العالمية‏(‏ كما هو الحاصل في البترول مثلا‏),‏ فلا يعد دعما‏,‏ وإنما هو فروق أسعار أو فرص ضائعة‏,‏ وكما يقول الدكتور سلطان أبو علي وزير الاقتصاد الأسبق‏,‏ فإنه لا يجوز اعتبار هذه الفروق دعما‏,‏ إلا إذا احتسبت جميع الأسعار بهذه الطريقة‏,‏ بما فيها الأجور والرواتب‏.‏

تقليديا فإن الدعم المالي كانت تقدمه الدولة لتوفير المواد الغذائية الأساسية للناس‏,‏ مثل الخبز والسكر والزيت‏,‏ بالإضافة إلي دعم القروض الميسرة للإسكان الشعبي ودعم المزارعين وألبان الأطفال والأدوية وغير ذلك‏,‏ وحتي سنة ألفين فإن قيمة هذا الدعم كانت في حدود خمسة مليارات جنيه سنويا‏,‏ وابتداء من سنة‏2005‏ وصلت قيمة الدعم في الموازنة إلي أكثر من عشرة أضعاف ذلك الرقم‏(‏ نحو‏54‏ مليار جنيه‏),‏ وقدر في موازنة العالم المالي الجديد‏(2008/2007)‏ بمبلغ‏64.46‏ مليار جنيه‏,‏ وهو مبلغ يعادل ربع المصروفات في الموازنة‏(241.500‏ مليار جنيه‏),‏ وهذا المبلغ مرشح للزيادة حسبما أعلن وزير المالية في لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب‏,‏ علي نحو سيصل به إلي‏35%‏ أو أكثر من المصروفات‏,‏ الأمر الذي يحول الدعم إلي مشكلة تنوء بحملها ميزانية الدولة‏.‏‏

(2)
‏ من أين جاءت المشكلة؟ هناك ثلاثة مصادر أساسية للمشكلة هي‏:‏‏

*‏ أنه حدث تغير جوهري في بنود الميزانية ابتداء من عام‏2006,‏ بمقتضاه أدخلت المنتجات البترولية ضمن السلع المدعومة‏,‏ برغم أن‏80%‏ منها ينتج محليا ولا يحمل الدولة سوي سعر تكلفة الإنتاج‏,‏ و‏20%‏ فقط يتم شراؤه بالأسعار العالمية‏,‏ وجري حساب كل ما يستهلك بالسعر العالمي‏,‏ الأمر الذي أضاف إلي خانة الدعم في الموازنة‏36.500‏ مليار جنيه قيمة الدعم الضمني للنفط والغاز‏.‏ الأمر الثاني أنه في العام التالي مباشرة تمت إضافة الكهرباء التي تنتجها المحطات المحلية إلي قائمة السلع المدعومة‏,‏ بعد احتساب قيمتها بالأسعار العالمية أيضا‏,‏ مما حمل البند بمبلغ ملياري جنيه جديدة‏,‏ وكان من الطبيعي أن يقفز رقم الدعم حاليا بعد هاتين الإضافتين‏.‏‏

*‏ أن الأسعار العالمية للسلع ارتفعت بمعدلات لم تكن في الحسبان‏,‏ فالسلع التموينية الأساسية كالخبز والسكر والزيت‏,‏ بالإضافة إلي الأرز والعدس والفول‏,‏ كان ينفق عليها ثلاثة مليارات و‏670‏ مليون جنيه عام‏2001,‏ ووصل الرقم إلي أكثر من تسعة مليارات في عام‏2007,‏ وفي العام الأخير فإن طن القمح الذي احتسب في الموازنة بمبلغ‏200‏ دولار وصل سعره في السوق العالمية إلي‏350‏ دولارا‏.‏‏

*‏ أن ميزانية الدولة أصبحت تعاني عجزا كبيرا يتزايد كل عام‏,‏ نتيجة لزيادة المصروفات علي الإيرادات‏,‏ وهذا العجز قدرت قيمته في العام الجديد بنحو‏70‏ مليار جنيه‏,‏ وهو مبلغ يقارب قيمة الدعم المرصود بالموازنة في وضعها الأخير‏,‏ من شأن استمرار ذلك العجز أن تحمل الأجيال المقبلة بأعباء القروض التي تتم لتغطيته‏.‏ وهو ما يعاقبها بأوزارنا ويضيف إليها أثقالا لا ذنب لها فيها‏,‏ وحين ارتأي البعض أنه من الممكن تخفيض العجز عن طريق التخفيف من أعباء الدعم فإن المنطق لم يختلف كثيرا عمن حاول أن يتجنب حفرة فوقع في بئر‏,‏ لأن من شأن تخفيف الدعم أن يثقل كاهل الفقراء‏,‏ الأمر الذي قد تكون له آثاره الاجتماعية غير الحميدة‏.‏‏

(3)
‏ للمشكلة أبعاد أخري لا تظهرها الأرقام‏,‏ ذلك أن الدعم الذي تأسست فكرته علي مساندة الذي مال حاله‏,‏ أصبح نهبا للذي فسدت ذمته وكثر ماله‏,‏ ذلك أن ثمة قرائن دالة علي أن الدعم بصورته الراهنة يستفيد منه الأثرياء والوسطاء بأكثر مما يستفيد المعوذون والفقراء‏,‏ وعند الحد الأدني فإن الأولين أصبحوا يزاحمون الأخيرين في الدعم ويستأثرون بقدر منه لا يستهان به‏..‏ كيف؟

تلقيت رسالة من المهندس أشرف بدر الدين عضو مجلس الشعب وعضو لجنة الخطة والموازنة تجيب علي التساؤل من خلال التفرقة بين الدعم المقدم للمواد التموينية الأساسية‏,‏ وذلك الذي ينسب إلي المواد البترولية والكهرباء‏.‏ فالمواد التموينية التي تدعم بتسعة مليارت ونصف المليار جنيه‏,‏ منها خمسة مليارات إلا ربعا للخبز وحده‏,‏ تتعرض دائما للعبث والنهب‏,‏ خصوصا الخبز‏,‏ ذلك أن عصابات التجار بالتواطؤ مع مفتشي التموين تسطو علي الدقيق وتتولي بيعه في السوق السوداء‏,‏ حتي إن جوال الدقيق الذي يحصل عليه صاحب المخبز بـ‏16‏ جنيها أصبح يباع في السوق السوداء بمبلغ‏280‏ جنيها‏,‏ سواء لأصحاب محال الحلويات أو لتجار علف الحيوانات الذين وجدوا أن الخبز حين يقدم للماشية أرخص من العلف الذي يباع في السوق‏,‏ وحين يجد صاحب الخبز أن الجوال إذا حوله إلي أرغفة فإنه يكسب فيه‏25‏ جنيها بعد خصم أجرة المكان والعمالة‏,‏ في حين أن بوسعه أن يبيعه في السوق السوداء بأكثر من‏17‏ ضعفا لقيمته الحقيقية‏,‏ فإنه لا يتردد في تسريب الأجولة التي يتلقاها إلي تلك السوق بأي وسيلة‏.‏

ومن الملاحظات الطريفة في هذا الصدد أنه حين تم إعدام أعداد كبيرة من الطيور في الشتاء الماضي‏,‏ ضمن إجراءات مكافحة انفلونزا الطيور‏,‏ فإن الخبز توافر بكثرة في الأسواق‏,‏ لأن التجار لم يجدوا مبررا لشرائه بعد التخلص من الطيور‏.‏

أشار المهندس أشرف إلي دراسة مهمة أجراها المركز المصري للدراسات الاقتصادية عالجت موضوع دعم المواد البترولية والغاز الطبيعي‏,‏ وسلطت الضوء علي بعض حقائقه المثيرة‏,‏ من تلك الحقائق مثلا أن ذلك الدعم يتجاوز بكثير ما ينفق علي مجالات الخدمات التي تقدم إلي عامة الناس‏,‏ فهو يعادل‏146%‏ من مخصصات التعليم‏,‏ و‏439%‏ بالنسبة للصحة‏,‏ و‏231%‏ بالنسبة للدفاع‏.‏

من تلك الحقائق المثيرة أيضا أن المصانع الكبري التي تستخدم الطاقة بكثافة‏,‏ مثل مصانع السماد والأسمنت والحديد وغيرها‏,‏ تحقق أرباحا سنوية تتراوح بين‏20%‏ و‏40%,‏ ومع ذلك فإنها تتلقي دعما للطاقة لا مبرر له‏,‏ فالحكومة تقدم‏30‏ جنيها دعما للطاقة اللازمة لإنتاج طن الأسمنت‏,‏ في حين أن الشركات المنتجة‏(95%‏ منها أجنبية‏)‏ تربح ما يزيد علي‏200‏ جنيه في الطن‏,‏ وهي تدعم إنتاج طن الحديد بمبلغ‏36.5‏ جنيه‏,‏ في حين أن ربحه‏1300‏ جنيه‏,‏ كما تدعم إنتاج كل طن للسماد بمبلغ‏167‏ جنيها‏,‏ في حين أن ربحية الطن تتجاوز‏1500‏ جنيه‏.‏

ذكرت الدراسة أيضا أن قطاع السياحة يستهلك‏22%‏ من الديزل‏,‏ أي أنه يتلقي دعما من المنتجات البترولية بقيمة تتجاوز‏3‏ مليارات و‏600‏ مليون جنيه‏,‏ علما بأن دعم البنزين بمختلف أنواعه في حدود‏4‏ مليارات جنيه‏,‏ كما أن دعم الغاز الطبيعي يقدر بنحو‏22‏ مليار جنيه‏(‏ منها‏5‏ مليارات دعما للغاز المصدر إلي أمريكا وفرنسا وانجلترا واسبانيا وإسرائيل‏).‏

أضافت الرسالة أن حفنة من رجال الأعمال والمستثمرين يحصلون علي دعم مباشر آخر تحت مسمي تنشيط الصادرات قدرت قيمته في موازنة العام الحالي بملياري جنيه بغير عائد يذكر‏.(‏ ذكر تقرير البنك المركزي أن الصادرات المصرية غير البترولية تراجعت في العام الماضي بنسبة‏3.5%).‏ ومن المفارقات في هذا الصدد أن مبلغ الدعم المخصص لمعاش الضمان الاجتماعي الذي تستفيد منه أكثر من مليون أسرة يقدر بنحو نصف هذا المبلغ‏,‏ إذ هو في حدود مليار ومائة مليون جنيه فقط لا غير‏.‏

لم تكن هذه هي المفارقة الوحيدة‏,‏ لأن بنود الميزانية حافلة بمفارقات أخري‏,‏ منها مثلا أن اتحاد الإذاعة والتليفزيون حصل في ميزانية العام الحالي علي دعم تجاوز مليارا ونصف المليون جنيه‏,‏ منها مليار جنيه عبارة عن خسائر تتحملها الدولة‏!‏‏

(4)
‏ ما العمل؟ الإجابة ليست سهلة‏,‏ والخبراء الذين تحدثت إليهم في الموضوع لهم آراء كثيرة‏,‏ تستحق أن تناقش وتصفي في لقاء أتمني أن يرتب بينهم وبين المسئولين عن القرار الاقتصادي‏,‏ وأرجو ألا أكون مخلا بآرائهم إذا اختصرت أبرزها في النقاط التالية‏:‏‏

*‏ أن دعم الخبز والسلع الأساسية ينبغي ألا يمس‏,‏ وبدلا من أن تبذل الدولة جهدا مضنيا لتحديد الأعداد الهائلة من المستحقين‏,‏ لماذا لا تبذل عشر معشار ذلك الجهد في الضرب بيد من حديد علي المافيات التي تعبث بقوت الناس‏,‏ وأزعم أنه لو حوسب هؤلاء بنفس الشدة التي يحاسب بها الذين يقدمون لمحاكم أمن الدولة لحل الإشكال‏,‏ وانفرجت الأزمة‏.‏

‏*‏أن الطاقة ينبغي أن يستمر دعمها لجماهير المستهلكين العاديين‏,‏ ولا محل لبيعها بالسعر المدعم لذوي الدخول المرتفعة وأصحاب المصانع الكبيرة الذين ثبت أن أرباحهم الكبيرة لن تتأثر كثيرا إذا حصلوا علي الكهرباء والغاز والبنزين بأسعارها العالمية غير المدعومة‏.‏‏

*‏ أن السياسة الاقتصادية بحاجة إلي إعادة نظر من جوانب عدة في مقدمتها الاهتمام بقضية الإنتاج‏,‏ ومكافحة التهرب الضريبي‏,‏ بعدما تبين أن الفقراء ومتوسطي الحال يدفعون حصة منها تتجاوز ما يدفعه أكابر رجال الأعمال وحيتان السوق في مصر‏,‏ كما يشدد أولئك الخبراء علي أهمية مراجعة أوجه الإنفاق وإيقاف الهدر غير المبرر فيها‏.‏

من غريب ما سمعت في هذه النقطة الأخيرة أن مصر التي تدفع‏22‏ مليار جنيه دعما للغاز الطبيعي تنتج غازا يكفي الاستهلاك المحلي‏,‏ لكنها وقعت اتفاقيات مجحفة مدتها‏25‏ سنة‏,‏ تلزمها بشراء حصة الشريك الأجنبي في عملية الإنتاج‏,‏ وبمقتضي تلك الاتفاقات فإن ذلك الشريك يأخذ حصته من الغاز بالسعر القديم والثابت‏,‏ في حين تشتريها منه مصر بالأسعار العالمية المتزايدة‏,‏ ولكي تشتري الغاز فلابد من تسييله الذي تتحمل مصر مسئوليته‏,‏ وقد أنشئت عدة محطات تسييل لهذا الغرض‏,‏ تكلفة واحدة منها فقط‏(‏ في ادكو‏)25‏ مليار جنيه‏!‏

لكثرة وأهمية الملاحظات التي سمعتها من الخبراء الاقتصاديين فإنني اقتنعت بأن سياسة الحكومة التي تتصدي لقضية الدعم هي نفسها أولي بالمراجعة والدعم‏.

0 التعليقات:

Blog Archive