محاكمة إسرائيل وقادتها في القانون الدولي - د.السيد ابو الخير

الخميس، 12 أبريل، 2007

لتحميل الدراسه فى ملف كتابة اضغط هنا


إن المسئولية الدولية لإسرائيل طبقا للقانون الدولي متوافرة في حقها ويمكن محاكمتها وقادتها ، ولكي نصل إلي ذلك نبين النقاط التالية:.
1 – نشأة وتتطور المسئولية الدولية المدنية والجنائية في القانون الدولي
2 – الجرائم الدولية في القانون الجنائي الدولي.
3 – التكييف القانوني للممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
4 – كيفية محاكمة قادة إسرائيل في القانون الدولي.
نتناول كل عنصر من هذه العناصر بالدراسة علي النحو التالي:
1 – نشأة وتتطور المسئولية الدولية المدنية والجنائية في القانون الدولي
نتعقب نشأة وتتطور المسئولية الدولية في القانون الدولي، وأورد الفقه الدولي تعريفات متعددة للمسئولية الدولية إلا أنهم اتفقوا علي عناصر ثلاثة هي(
[1]):
- الفعل الضار أو العمل غير المشروع طبقا للقانون الدولي.
- نسبة هذا الفعل إلي أحد أشخاص القانون الدولي سواء الدول أو المنظمات الدولية.
- أن ينتج عن هذا الفعل ضرر يصيب أحد أشخاص القانون الدولي.
وإذا توافرت هذه الشروط في أي تصرف أو عمل صادر من أحدي أشخاص القانون الدولي، فأنه يترتب في حقه المسئولية الدولية وهي نوعان المسئولية الجنائية والمسئولية المدنية.
والمسئولية المدنية: تتمثل في الأمور الأمور التالية:
- على الشخص الدولي التوقف عن الفعل المخالف للقانون الدولي.
- أن تعمل على إعادة الحال إلي ما كان عليه الحال قبل وقوع المخالفة، ويطلق عليه (التعويض العيني) وفي الحالات التي لا يمكن فيها إعادة الحال إلى ما كان عليه سابقا، فعلى الدولة أن تقوم بدفع تعويض مالي يتناسب مع ما أصاب المضرور من أضرار مادية أو معنوية يطلق عليه (التعويض المالي).
أما المسئولية الجنائية: والتي تتمثل في المحاكمة الجنائية للمسئولين عن ارتكاب مخالفات للقانون الدولي الإنساني (قانون الحرب) أثناء النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وقد مرت المسئولية الجنائية الدولية بمراحل متعددة تقدمت خطوة خطوة لإقرار هذه المسئولية من حيث المبدأ والمفهوم والمضمون والنطاق، وسوف نقسم مشوار أقرار المسئولية الجنائية الدولية إلي مرحلتين الأولي قبل عصر التنظيم الدولي والثانية في عصر التنظيم الدولي.
1 – المرحلة الأولي: المسئولية الجنائية الدولية قبل عصر التنظيم الدولي: وتبدأ هذه المرحلة من تصريح باريس حتى عام 1919م بإنشاء عصبة الأمم،
وسادت خلال هذه المرحلة ما كان سائدا في القانون الدولي التقليدي بأن الحرب تنطلق من إرادة الدولة ومبدأ السيادة المطلقة تمارسها الدول كما شاءت وبالوسائل التي تراها مناسبة وخاصة التي تسبب آلامًا جسيمة لا تقتضيها الضرورات العسكرية، أو التي تلحق أضرارًا بالمدنيين الذين ليس لهم علاقة بسير العمليات العسكرية، أو الأشخاص الذين تحميهم الاتفاقيات لعدم قدرتهم على المشاركة في العمليات القتالية كالأسرى والجرحى من الجنود، ولذلك لم يكن هناك مسئولية جنائية في القانون الدولي تذكر، ولكن بدأت مرحلة جديدة انطلقت في العام 1856 بتوقيع تصريح باريس أول وثيقة دولية مكتوبة تنظم بعض الجوانب القانونية للحرب البحرية(
[2]).
ثم كانت اتفاقية جنيف الموقعة في 22أغسطس1864 أسس القانون الإنساني المعاصر، واتسمت بأنها قواعد مكتوبة ودائمة لحماية ضحايا الحروب، وهي معاهدة متعددة الأطراف جاءت تتويجًا لجهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتقنين عادات الحرب وأعرافها، باعتبارها أول وثيقة دولية في مجال تدوين قواعد القانون الدولي الإنساني.
وجاء إعلان سان بطرسبورج بشأن حظر استعمال المقذوفات في وقت الحرب و الموقع في 11ديسمبر 1868م، وطالب أن يكون التقدم التكنولوجي سببا في تخفيف ويلات الحروب، وأن الهدف المشروع الوحيد الذي يجب أن تسعي إليه الدول والمجتمع الدولي أثناء الحرب هو شل أو إضعاف قوة الخصم العسكرية وليس قتله، مع مراعاة أن حق أطراف أي نزاع مسلح اكتشاف واختيار أساليب ووسائل القتال ليس بلا قيود، بل لا يتعدى الضرورات الحربية بهدف إضعاف قوة الخصم.
وفي العام 1899 عقد مؤتمر لاهاي الأول للسلام والذي تمخض عنه توقيع اتفاقيتين تناولت الأولي قوانين وأعراف الحرب البرية و الثانية تناولت مرضى وجرحى الحرب البحرية، ومؤتمر لاهاي الثاني عقد عام 1907 صدر عنه اتفاقية لاهاي الرابعة والخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية الموقعة في 18أكتوبر1907م، وقد أسهم هذا المؤتمر الثاني في وضع حد للأضرار الناجمة عن الحروب.
وأول ما يميز هذه المرحلة أنها أقرت لأول مره مبدأ المسئولية الجنائية الفردية في معاهدة فرساي عام 1919 والتي نصت في مادتها (227) على إنشاء محكمة جنائية دوليه لمحاكمة الإمبراطور الألماني غليوم الثاني عن مسئوليته الدولية في شن الحرب العالمية الأولى، و معه عدد من الرعايا الألمان لانتهاكهم قوانين وأعراف الحرب، وكان ذل خطوة أولى على طريق إقرار قضاء جنائي دولي لمحاكمة الأفراد لارتكابهم جرائم دولية، بعد أن كان سائدًا في الفقه والعمل الدولي مسئولية الدول وحدها لأنهم هم أشخاص القانون الدولي دون غيرهم، مما يسهم في وضع حد لجرائم الحرب لأن علم الأشخاص بأنهم سيتحملون شخصيًا نتائج الجرائم التي سوف يرتكبونها يجعلهم لا يرتكبونها.(
[3])
المرحلة الثانية: المسئولية الجنائية الدولية في عصر التنظيم الدولي: وتبدأ هذه المرحلة من عام 1920م بإنشاء عصبة الأمم حتى تاريخه، وتتميز هذه المرحلة عن المرحلة الأولي بالأتساع والشمول في المفهوم والمضمون، حيث جاء ميلاد عصبة الأمم في العام 1920 ليشكل الخطوة الأولى لتحريم الحرب ولمواصلة الجهود لمنع اللجوء إلى القوة في العلاقات الدولية واعتماد التسوية السلمية كوسيلة لحل النزاعات الدولية.
ولكن هذا التحريم الوارد في عهد العصبة جاء ناقصا حيث اكتفي بتحريم اللجوء للحرب إلى أن يتم استنفاد الشروط والإجراءات التي حددتها(م/12/1) والتي نصت على أن (يوافق أعضاء العصبة على أنه إذا نشأ نزاع من شأن استمراره أن يؤدي إلى احتكاك دولي على أن يعرضوا الأمر على التحكيم أو التسوية القضائية أو التحقيق بواسطة المجلس ويوافقون على عدم الالتجاء للحرب بأي حال قبل انقضاء ثلاثة شهور على صدور قرار التحكيم أو الحكم القضائي أو تقرير المجلس)
ورتب عهد العصبة التزامات على الدول الأطراف وردت في ( م/10) والتي تقضي باحترام سلامة أقاليم الدول الأخرى الأعضاء في عهد العصبة، ويشكل اللجوء للحرب إخلالاً بتلك الالتزامات وقد أورد العهد جزاءات ضد من يخالف تعهداته من الدول الأطراف ويرتكب فعلاً من أفعال الحرب ضد جميع أعضاء العصبة. وفي 17يونية 1925م تم توقيع بروتوكول جنيف بشأن حظر استعمال الغازات الخانقة والسامة والوسائل الجرثومية في الحرب، وفي 27أغسطس1928 تم التوقيع علي ميثاق بريان كيلوج أو ما يعرف بميثاق باريس وهو خطوة متقدمة في حظر اللجوء للحرب ويعتبر أهم وثيقة دولية بعد الحرب العالمية الأولى ونص في الديباجة علي التنازل عن الحرب كوسيلة لتحقيق السياسات القومية، وإحلال علاقات السلم والصداقة بين الدول الأطراف، ونصت المادة الأولى منه على إدانة اللجوء للحرب كوسيلة لتسوية النزاعات الدولية، ثم كان توقيع اتفاقيتي جنيف بشأن معاملة المرضى والجرحى والأسرى في الحرب في عام1929 م.
وجاءت اتفاقية لندن في 8 أغسطس 1945 لتضع قواعد دولية جديدة لم يعرفها القانون الدولي التقليدي من قبل بمحاكمة مجرمي الحرب النازيين واليابانيين في محكمتي نورمبرج، وطوكيو برغم ما أخذ عليهما من كونهما تمثلان إرادة المنتصرين، فقد طغى عليهما الطابع السياسي أكثر من الطابع القانوني، بحيث حوكم مجرمو الحرب المهزومين ولم يحاكم مجرمو الحرب المنتصرين، فلم يتم تطبيقهما على مجرمي الحرب الأمريكان المسئولين عن كارثتي هيروشيما، و نجازاكي(
[4]).
إلا أنهما كانا التطبيق العملي الأول لمبدأ المسئـولية الجنائية الفردية بتقديم بعض الأفراد للمحاكمة سواء فيهما أو في محاكم دول الحلفاء العسكرية التي عرفت بقانون مجلس الرقابة رقم (10) الصادر من الحلفاء الأربعة بصفتهم الحكام العسكريين لألمانيا لعام 1946 لمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وقد جاء ميثاق الأمم المتحدة كأهم وثيقة دولية بشأن تحريم الحرب في العلاقات الدولية ولم يكتف الميثاق بتحريم استعمال القوة في العلاقات الدولية وإلغاء حق الدول في شن الحرب كوسيلة لفض منازعاتهم، بل حرم مجرد التهديد باستخدام القوة في المادة(2/4) منه مما يعد تطورا كبيرا في قواعد القانون الدولي، إلا أنه لم يتضمن آلية ملزمة لمحاكمة مجرمي الحرب(
[5]). وقد مثل توقيع الاتفاقية الدولية لمنع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في 9ديسمبر 1948 أحد هذه الآليات حيث دعت الاتفاقية لإنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وأكدت علي مبدأ المسئولية الجنائية الفردية، وأكدته اتفاقيات جنيف الأربعة المؤرخة في 12 أغسطس1949.
وقد تعهدت الدول الأطراف بموجب المواد المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م الخاصة بالعقوبات المقررة لمن يخالف هذه الاتفاقيات باتخاذ إجراءات تشريعية لفرض عقوبات فعالة على الأشخاص الذين يرتكبون أو يأمرون بارتكاب إحدى المخالفات الجسيمة لهذه الاتفاقيات أيًا كانت جنسيتهم أو تسلمهم، وتشكل تلك المواد من اتفاقيات جنيف ليس فقط تأكيدًا لمبدأ المسئولية الجنائية الفردية وإنما توسيعًا في نطاقها.
فقد جعلت محاكمة مجرمي الحرب التزامًا دوليًا يرتب على الدول مسئولية ملاحقتهم بغض النظر عن جنسيتهم، مما يفيد بأن اتفاقيات جنيف أقرت ما يعرف بالاختصاص القضائي العالمي والذي بموجبه يحق لأية دولة موقعة على اتفاقيات جنيف ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ومحاكمتهم، وهو ما أكدته المادة 86 من البروتوكول الأول المضاف لاتفاقيات جنيف لعام 1977 الخاصة بقمع الانتهاكات الجسيمة التي تنجم عن التقصير في أداء عمل واجب الأداء، وقد أكدت مبدأ المسئولية الجنائية مبادئ نورمبرج التي صاغتها لجنة القانون الدولي عام 1950م وقد نص المبدأ الثالث على عدم اعتبار الصفة الرسمية مانعًا للمسئولية.
وقد جاءت نصوص مشروع تقنين الجرائم ضد سلامة وأمن البشرية عام 1954صريحة في منع اللجوء للقوة في العلاقات الدولية وعدم اعتبار الصفة الرسمية مانعًا للمسئولية، وجاءت اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية واعتمدت بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم(2391/ د/23) في 26/11/1968 تدعيمًا الجهود الدولية الهادفة لإقرار مبدأ المسئولية الفردية، فنصت في المادة الثانية على انطباق أحكام الاتفاقية على ممثلي سلطة الدولة والأفراد الذين يقومون بوصفهم فاعلين أصليين أو شركاء بالمساهمة في ارتكاب أية جريمة، أو بتحريض الغير، أو مرؤوسيهم لارتكابها أو الذين يتسامحون في ارتكابها، ولا يسري التقادم على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لأنهما من أخطر الجرائم في القانون الدولي، وأعطت اختصاصًا عالميًا للدول الأطراف في ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وألزمتهم بذلك.
وأقرت الجمعية العامة مبادئ التعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم الأشخاص مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بقرارها رقم (3074/د/28) في 3/12/1973، وجعل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أيًا كان المكان الذي ارتكبت فيه موضع تحقيق مع مرتكبيها بمن فيهم مواطنيها محل تعقب وتوقيف ومحاكمة.
وأكدت اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بالقرار رقم 39/46 المؤرخ في 10/12/ 1984 في تأكيد مبدأ المسئولية الجنائية الفردية وعدم جواز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب، ورتبت الاتفاقية التزاما على الدول الأطراف باتخاذ إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة لمنع التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي.
وجاء تشكيل المحكمة الجنائية ليوغسلافيا السابقة تطبيقًا لمبدأ المسئولية الجنائية الفردية، والتي أنشأت بقرار مجلس الأمن رقم 808 في 22/2/1993 بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لمحاكمة الأشخاص المسئولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، ونصت (م/7) من النظام الأساسي للمحكمة على المسئولية الجنائية الفردية لمرتكبي الجرائم التي اختصت بالنظر فيها، والتي ارتكبت ضد المسلمين في البوسنة والهرسك وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م، ومخالفات قوانين وأعراف الحرب، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية.
وأسهمت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا المنشأة بقرار مجلس الأمن رقم(955) في 8 نوفمبر1994 بموجب الفصل السابع من الميثاق علي تعزيز مبدأ المسئولية الجنائية الفردية ونصت عليه في المادة السادسة من النظام الأساسي للمحكمة، والتي اختصت بنظر الجرائم التي تتعلق بالحرب الأهلية وهى الانتهاكات الجسيمة للمادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977م والتي تعد جرائم حرب بموجب المادة (85) من البروتوكول الإضافي الأول، وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وتعتبر محاكمات يوغسلافيا و رواندا أول محاكمات تنشأ منذ محاكم نورمبرج 1945م وطوكيو 1946 لمحاكمة مجرمي الحرب تطبيقًا لمبدأ المسئولية الجنائية الفردية التي لا تجيز الدفع بالأوامر العليا أو بعدم مسئولية القادة أو حصانة رؤساء الدول أو المسئولين. وأكدت المحكمة الجنائية الدولية التي دخلت حيز النفاذ في الأول من يوليو2002 دعائم المسئولية الجنائية الفردية في نظامها الأساسي كأول نظام قضائي جنائي دائم على شكل معاهدة ملزمة للدول الأطراف وقد أكدت في ديباجتها أن أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره يجب ألا تمر دون عقاب ومقاضاة مرتكبيها، وقد عقدت العزم على وضع حد لإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب وعلى الإسهام بالتالي في منع الجرائم مما قد يدعم أسس النظام العالمي ويسهم في إرساء أسس السلام والأمن وإضفاء القيم الإنسانية في العلاقات الدولية.
ويقتصر اختصاص المحكمة على الأشخاص الطبيعيين ويكون الشخص مسئولاً عن الجرائم بصفته الشخصية سواء ارتكبها بنفسه أو بالاشتراك مع غيره أو عن طريق شخص آخر، أو بالأمر أو بالإغراء على ارتكابها، وهذا هو الاختصاص الشخصي للمحكمة، الاختصاص الموضوعي للمحكمة ورد في المادة الخامسة من نظامها الأساسي وهي جرائم لا تسقط بالتقادم وهي جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان
ترتيبا علي ما سبق فقد ثبتت في القانون الدولي المسئولية الجنائية الفردية لمرتكبي الجرائم الدولية، حتى أصبحت من النظام العام الدولي أي من القواعد الآمرة التي لا يجوز مخالفتها ولا الاتفاق علي مخالفتها.
فأصبح نطاق المسئولية الدولية يشمل المسئولية الجنائية الفردية عن الجرائم المرتكبة خلافًا لقوانين وأعراف الحرب بميلاد معاهدة فرساي عام 1919 وتقريرها المسئولية الشخصية للإمبراطور الألماني غليوم الثاني بنص المادة (227) عن إثارة الحرب، وأقرت كذلك مبدأ المسئولية الجنائية الفردية (م/7) من لائحة محكمة نورمبرج العسكرية 1945 لمجرمي الحرب الألمان، وكذلك (م/6) من لائحة محكمة طوكيو 1946 لمجرمي الحرب اليابانيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية، والمبدأ الثالث من مبادئ نورمبرج التي صاغتها لجنة القانون الدولي في أعقاب محاكمات نورمبرج، وأكدته اتفاقيات جنيف الأربعة بنص المواد المشتركة الخاصة بالعقوبات الجنائية، و(م/7) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا، و(م/6) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وأيضا الحكم الذي أصدره مجلس اللوردات أعلى هيئة قضائية بريطانية باعتباره سابقة قانونية في منع مرتكبي الجرائم الدولية من الإفلات من العقاب وعدم منحهم الحصانة القضائية بناء علي طلب تقدمت به أسبانيا عام 1998 لتسليمه لارتكابه جرائم ضد الإنسانية.
وما أخذ به القانون البلجيكي الصادر في 16حزيران 1993 والذي يمنح المحاكم البلجيكية اختصاصًا عالميًا بمحاكمة مسئولين أجانب عن جرائم القانون الدولي، بمحاكمة أربعة روانديين في العام 1994بناء عليه وتم تعديله ليمنع ملاحقة ومحاكمة القادة والمسئولين ماداموا على رأس السلطة بعد الضغوطات الأمريكية والإسرائيلية في أعقاب الدعوى المرفوعة ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون لمسئوليته عن مجزرة صبرا و شاتيلا، والتي تقدم بها 23 فلسطينيًا من الناجين من المجزرة عام 2001، وتم رفع دعوى عام 2002 ضد وزير الدفاع موفاز أمام القضاء البريطاني لمسئوليته الفردية عن مجزرة مخيم جنين في الانتفاضة لكونه رئيسًا لأركان الجيش لإشرافه على المجزرة، وثبتها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بالمادة (25)فقرر عدم جواز إثارة المسئولية الجنائية الدولية إلا في حق الأشخاص الطبيعيين فالدولة شخص معنوي لا تسأل مسئولية جنائية، بل مسئوليتها مدنية بالتعويض المالي عن الأضرار الناتجة عن الأعمال غير المشروعة التي يرتكبها ممثلوها.

2 – الجرائم الدولية في القانون الجنائي الدولي
بعد أن بينا المسئولية الدولية المدنية والجنائية في القانون الدولي، نبين في هذا الجزء من الدراسة الجرائم الدولية من حيث المفهوم والمضمون والأركان، والجرائم الدولية واردة في المادة الخامسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وهي علي سبيل الحصر، وهي جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان، ونبين كل جريمة علي حدة.
(1) - جريمة الإبادة الجماعية Le Crime de Genocide:- توصف جريمة الإبادة الجماعية (Crime de genocide Le) بأنها أ]شد الجرائم الدولية جسامة وبأنها ( جريمة الجرائم )ومن الملفت للنظر بأن تعريف جريمة ( الإبادة الجماعية ) جاء موحدا في معظم التشريعات الدولية التي تعرضت للجريمة بالتقنين بداية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة علية والتي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9/12/1948م، والنظام الأساسي لمحكمة مجرمي يوغوسلافيا السابقة في المادة الرابعة وأيضا محكمة مجرمي رواندا وأخيرا المادة السادسة من النظام الأساسي للمحكمة لجنائية الدولية التي نصت على (لغرض هذا النظام الأساسي تعني ( الإبادة الجماعية ) أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد هلاك جماعة قومية أو أثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكا كليا أو جزئيا:-
أ‌) قتل أفراد الجماعة.
ب‌) إلحاق ضرر جسدي أو عقلي أو جسمي بأفراد الجماعة.
جـ) إخضاع الجماعة عمدا لأحوال معيشية يقصد بها الإهلاك الفعلي كليا أو جزئيا.
د) فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.
هـ) نقل أطفال الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى ).
وأول ظهور المصطلح ( الإبادة الجماعية ) في القانون الدولي، كان عام 1944م من خلال(Rephael Lemkin)مستشار وزارة الحرب الأمريكية من أجل توضيح خصوصية الجرائم المرتكبة من النازيين، إلا أن ظهور المصطلح رسميا لأول مرة في التوصية رمق (96/1) الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادرة في 11/21/1946م).
وقد تعرضت محكمة العــدل الدولية لجــريمة الإبادة الجماعية في عدة مواضع في الرأي الاستشاري الصادر في 28/5/1951م بخصوص التحفظات على اتفاقية مكافحة جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها. والحكم الصادر في 8/4/1993في طلب تدابير تحفظية وتطبيق اتفاقية مكافحة جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها والحكم الصادر في 11/7/1996م بشأن يوغوسلافيا وصدر الحكم في 29/ 4 1999م مما أدى إلى تطور لا يستهان به لكافة جوانب جريمة الإبادة الجماعية(
[6]) ويتلخــص الركن المادي لجريــمة الإبادة الجــماعية في الآتي:-
1- قتل أعضاء من جماعة معينة.
2- الاعتداء الجسيم على السلامة الجسدية أو العقلية لأعضاء الجماعة.
3- إخضاع الجماعة لظروف معيشية قاسية تقضى إلى القضاء عليهم بصفة كلية أو جزئية.
4- إعاقة التناسل داخل الجماعة.
5- نقل الصغار قهراً من جماعتهم إلى جماعة أخرى.
كما حددت اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في المادة الثالثة صور السلوك الإجرامي المؤثم لجريمة إبادة الجنس البشرى فيما يلي:-
1- إبادة الجنس البشرى.
2- الاتفاق أو التآمر على ارتكاب جريمة إبادة الجنس.
3- التحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة إبادة الجنس البشرى.
4- الشروع في ارتكاب جريمة إبادة الجنس البشرى أو الاشتراك فيها.
وتجدر الإشارة إلى أن كل صورة من الصور السابقة تشكل جريمة مستقلة قائمة بذاتها واجبة العقاب عليها.
1- وقد تفادى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، العوار القانوني الذي أصاب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها فنص في المادة (77) على العقوبات التي يجوز للمحكمة الجنائية أن تقضى بها حال ثبوت ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية أو أي جريمة واردة في المادة (5) من النظام (17) فأوردت (رهناً بأحكام المادة (110) يكون للمحكمة أن توقع على الشخص المدان بارتكاب جريمة في إطار المادة (5) من هذا النظام الأساسي إحدى العقوبات التالية:-
(أ‌) السجن لمدة محددة من السنوات لفترة أقصاها (30) سنة.
(ب‌) السجن المؤبد حيثما تكون هذه العقوبة مبررة بالخطورة البالغة للجريمة وبالظروف الخاصة للشخص المدان.
2- بالإضافة إلى السجن فللمحكمة أن تحكم بما يلي:-
(أ‌) فرض غرامة بموجب المعايير المنصوص عليها في القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات.
(ب‌) مصادرة العائدات والمتحصلات والأصول المتأنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من تلك الجريمة دون المساس بحقوق الأطراف الثالثة الحسنة النية ).
ولقد ارتكبت القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين الجرائم الواردة في الفقرات(أ/ب/ج) سالفة الذكر لذلك فهي مرتكبة لجريمة الإبادة الجماعية.
(2) الجرائم ضد الإنسانية ( Les Crims Contre L'humcenite ):
اهتم الفقه الدولي حديثاً بتعريف الجرائم ضد الإنسانية باعتبارها من الجرائم الدولية التي تستوجب المسئولية الدولية والعقاب عليها. فقد عرفها البعض بأنها ( جريمة دولية من جرائم القانون العام بمقتضاها تعتبر دولة ما مجرمة إذا أضرت بحياة شخص أو مجموعة أشخاص أبرياء أو بحريتهم أو بحقوقهم، بسبب الجنس أو التعصب للوطن أو لأسباب سياسية أو دينية، أو إذا تجاوزت أضرارها في حالة ارتكابهم جريمة ما، العقوبة المنصوص عليها )
وعرف النظام الأساسي الجرائم ضد الإنسانية في المادة (7) التي اشترطت أن تتوافر الأركان التالية في الجرائم ضد الإنسانية(
[7]):
1- أن تكون هناك سياسة دولة أو سياسة من قبل منظمة غير حكومية (م/7/2)
2- أن تكون الجريمة من الجرائم المذكورة والمحددة حصراً في المادة (7/1)(
[8]) والمتمثلة في:-
‌أ- القتل العمد ويقصد به التسبب عن قصد وإرادة وعلم في إزهاق روح شخص أو أشخاص بطريقة مباشرة وغير مباشرة.
‌ب- الإبادة الجماعية: التسبب عن قصد وإرادة وعلم في موت جماعة مدينة من الناس أو تعمد خلق ظروف معيشية صعبة يقصد بها الإبادة الجسدية أو الإيذاء الجسدي أو الإبادة البيولوجية أو الإبادة الثقافية.
‌ج- الاسترقاق: وهو مرادف الرق والاستعباد.
‌د- الإبعاد القسرى: يقصد به نقل الأشخاص قصراً من إقليم دولتهم أو مدينتهم إلى أماكن أخرى.
‌ه- السجن التعسفي: أي الحبس بدون حكم نهائي يقضى بذلك ويمكن إضافة التعذيب إلى السجن التعسفي.
‌و- الاغتصاب والاعتداء الجنسي الخطير.
‌ز- الاضطهاد السياسي أو العنصر الديني.
3- أن ترتكب هذه الجرائم على نطاق واسع أو بشكل منهجي (م/7/1) والسياسة هي التعامل الأساسي الذي يعمل على تحويل الجريمة من جريمة وطنية إلى جريمة دولية.
وقد عكس النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة (7) الدقة والتطور الملحوظ في القانون الدولي العرفي في تحديد حدود وأركان الجرائم ضد الإنسانية، منذ ميثاق نورمبرج (م/1)(
[9])
وهكذا فإن كل فعل ترتكبه سلطات الدولة أو منظمة سياسية أو منظمة أخرى بتواطؤ من الدولة، يتسبب عمداً في إحداث معاناة شديدة أو ألم شديد أو أذى خطير بالجسم أو بالصحة الجسدية أو العقلية لجماعة أو جماعات ذات اعتناقات مدنية، يشكل جريمة ضد الإنسانية ولو لم يرد ذكره في الصور السابقة، التي نصت عليها المادة (7) من النظام الأساسي للمحكمة(
[10]).
وقد ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي ما في الفقرات(1/2//أ/ب/د/هـ/ز) من المادة السابقة
(3) جرائم الحرب: ( Les Crimes du Guerre )وهي الجرائم التي ترتكب ضد قوانين وعادات وأعراف الحرب، سواء صدرت عن المحاربين أو عن غيرهم، وقد عرفتها المادة (6/ب) من لائحة محكمة نورمبرج بأنها( الأعمال التي تشكل انتهاكاً لقوانين وأعراف الحرب)وقد عرفتها المادة (8/2 – أ/ب) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بأنها (الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس 1949م وكذلك الانتهاكات الجسيمة الأخرى للقوانين والأعراف السارية والمطبقة على المنازعات المسلحة الدولية في النطاق الثابت في القانون الدولي).
تنقسم جرائم الحرب طبقاً في قانون الحرب إلى قسمين، هما: جرائم ضد المجتمع الدولي، وجرائم ضد الأفراد العاديين، فيتمثل القسم الأول في احتلال أقاليم دولة أخرى، أي توجيه عمل عدواني ضدها كما يندرج تحت مفهوم جرائم الحرب ضد المجتمع الدولي جريمة إبادة الجنس البشري أو القضاء على ذاتيته، وقد حوكم القادة الألمان على جرائم من هذا النوع في القسم الثاني من الجرائم التي تُعدّ جرائم حرب، يتضمن الجرائم التي ترتكب ضد الأفراد العاديين، وهي تقسم إلى ثلاثة أنواع هي: جرائم تتعلق بسلوك المحاربين أثناء الحرب (مثل استخدام الأسلحة الممنوعة دولياً كالغازات السامة والنابالم وضرب المستشفيات أو الطائرات الطبية)، وجرائم تتعلق بمعاملة الجرحى والأسرى والمرضى (كقتلهم أو تعذيبهم أو الإجهاز على الجريح)محاكمات نورمبرج.
القسم الثاني من الجرائم التي تُعدّ جرائم حرب، يتضمن الجرائم التي ترتكب ضد الأفراد العاديين، وهي تقسم إلى ثلاثة أنواع هي: جرائم تتعلق بسلوك المحاربين أثناء الحرب (مثل استخدام الأسلحة الممنوعة دولياً كالغازات السامة والنابالم وضرب المستشفيات أو الطائرات الطبية)، وجرائم تتعلق بمعاملة الجرحى والأسرى والمرضى (كقتلهم أو تعذيبهم أو الإجهاز على الجريح)
ترتيباً على ما سبق فإن جرائم الحرب هي التصرفات والأعمال التي ترتكب بالمخالفة لقوانين الحرب وعاداتها وأعرافها المقررة في قواعد القانون الدولي، ويرجع أصل تلك الجرائم إلى مخالفة القواعد العرفية التي كانت تحكم وتنظم الحرب قبل القرن التاسع عشر، والقواعد الواردة في اتفاقيات لاهاي لعام 1899م و1907، والقواعد التي وردت في قائمة لجنة المسئوليات لجرائم الحرب لعام 1919م ثم في لائحة نورمبرج لعام 1945م، ولائحة طوكيو لعام 1945م، والمادة (2/12) من مشروع تقنين الجرائم ضد سلم وأمن البشرية لسنة 1952م، واتفاقيات جنيف لعام 1949م، وبصفة خاصة نص المادة (50) من الاتفاقية الأولى والمادة (51) من الاتفاقية الثانية، والمادة (130) من الاتفاقية الثالثة، والمادة (147) من الاتفاقية الرابعة وأخيراً المادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية(
[11]) بناء على ما سبق فإنه يمكن استخلاص صور وأركان جريمة الحرب في الآتي:-
أ‌- المخالفات الجسيمة لاتفاقيات جنيف وتتمثل في القتل العمد والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية بما في ذلك التجارب البيولوجية، وتعمد إحداث ألام شديدة والأضرار الخطيرة بالسلامة البدنية، وتدمير الممتلكات أو الاستيلاء عليها على نحو لا تبرره الضرورات العسكرية، وبطريقة غير مشروعة وتعسفية، وإرغام الأسير بالحرب أو المدني على الخدمة في قوات دولية معادية، وأخذ المدنيين كرهان، وترحيل أي شخص مدني أو تقييد حرية حركته بطريقة غير مشروعة، وجعل السكان المدنيين هدفاً لهجوم وقصف الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة ونقل أجزاء من سكان السلطة المحتلة إلى الإقليم الذي تحتله.
ب‌- الانتهاكات الجسيمة الأخرى للقوانين والأعراف المتعلقة بالحرب مثل: استخدام أسلحة سامة، أو تسبب معاناة لا ضرورة لها، والتدمير المتعمد للمدن أو البلدات والقرى أو إحداث دمار لا تبرره الضرورة العسكرية، وقتل أو جرح عدو استسلم بالكامل ونهب الممتلكات العامة والخاصة، والعقوبات الجماعية وأخذ الرهائن واستخدام العنف للاعتداء على الأشخاص حياتهم وصحتهم وسلامتهم البدنية أو العقلية وخاصة التعذيب والقتل العمد والاغتصاب وأعمال الإرهاب والسلب، واستخدام الدروع البشرية، وتجويع السكان المدنيين، وعدم نقل المعونة الإنسانية إليهم وتنفيذ عقوبات بدون محاكمات عادلة، وتعمد فصل الأطفال عن ذويهم أو المسئولين عنهم(
[12])وتفعل إسرائيل ضد الفلسطينيين ذلك.
(4) جريمة العدوان: مصطلح العدوان حديث نسبيا فقد كان يعرف في العصور الوسطي بالحرب غير العدالة (guerre unjust)، وصاحبه الغموض لأن الدول تفسره طبقا لرغباتها فلا تحب أن توصف أعمالها بالعدوانية، فلقد غلبت السياسة عليه، مما أدي إلي التلاعب بنظرية السلم والحرب، لذلك لم يعرف القانون الدولي التقليدي العدوان ولم يضع أي معايير لمعرفته، لأن الدول كانت تنظر للحرب علي أنها عملا مشروعا بناء علي مبدأ السيادة المطلقة.
لقد بذلت الدول جهودا عديدة لوضع حد لاستخدام القوة في العلاقات الدولية سبق بيانها، ويعتبر قرار مؤتمر السوفيت الثاني(8/11/1917م)باعتبار الحرب العدوانية حربا ضد الإنسانية بداية لتحريم العدوان، الذي سار مع تحريم الحرب جنبا إلي جنب مسيرة الإباحة المطلقة ثم التقييد ثم الحظر، ثم جاء مشروع تعريف العدوان الروسي الذي طرح في(6/2/1933م) ليمثل خطوة مهمة في تعريف جريمة العدوان.
الذي انقسم الفقه الدولي حول تعريفها لثلاثة اتجاهات، الأول وضع معيار عام دون ذكر عناصر الركن المادي للجريمة فعرفها بأنها(الجريمة ضد السلام وأمن الإنسانية)والاتجاه الثاني الذي أورد وعلي سبيل الحصر عناصر الركن المادي لجريمة العدوان، لذلك سمي بالتعريف الحصري للعدوان، والاتجاه الثالث وهو الاتجاه المختلط الذي جمع بين الاتجاهين السابقين، فقد أورد علي سبيل المثال لا الحصر بعضا من عناصر الركن المادي لجريمة العدوان.
وإزاء ذلك وتمشيا مع ما ورد في المادة(2/4) من ميثاق الأمم المتحدة، الذي حرم استخدام القوة في العلاقات الدولية، فقد بدأت الأمم المتحدة الاهتمام بوضع تعريف لجريمة العدوان خاصة بعد الحرب الكورية عام1950م، حيث تقدم الاتحاد السوفيتي بمشروع للجمعية العامة يتضمن تعريفا للعدوان مشابها للتعريف الذي اقترحه في مؤتمر نزع السلام عام 1933م، الذي أحالته إلي لجنة القانون الدولي في 17/11/1950م، وانتهت اللجنة إلي عدم رغبتها في تعريف العدوان لعدم أمكانية حصر كافة حالات العدوان، كما أن ذلك سوف يقيد سلطة أجهزة الأمم المتحدة عندما تتعرض لبحث حالات العدوان، ولم يمنع ذلك الاتحاد السوفيتي السابق عام1951م من التقدم بمشروع آخر لتعريف العدوان، وتقدمت عدة دول أخري مثل اليونان وبوليفيا، ولكن عارضت كل من الولايات المتحدة وانجلترا وضع تعريف للعدوان لاستحالة ذلك ولمنع ذلك من وقوع العدوان.
ولكن في عام1952م أعلنت الأمم المتحدة أنه من المفيد وضع معايير لتعريف العدوان لكي تسترشد به أجهزة الأمم المتحدة أثناء عملها، وطالبت الجمعية العامة الأمين العام وضع تقرير عن تعريف العدوان، وتضمن التقرير رقم(2211) الذي انتهي إلي ضرورة وضع تعريف للعدوان، وأنشأت الجمعية العامة لجنة من(15)عضو لدراسة العدوان تعريفا ومفهوما ومضمونا، وتقدمت اللجنة بعدة مشاريع لتعريف العدوان.
وفي عام 1953م تقدم الاتحاد السوفيتي السابق بمشروع جديد لتعريف العدوان تضمن تحديدا أكثر من المشاريع السابقة، وقسم المشروع العدوان إلي أربعة أنواع العدوان المباشر والعدوان غير المباشر والعدوان الاقتصادي والعدوان الفكري، ثم أورد حالات لا يجوز أن تكون مبررا للعدوان.
وفي دورة الجمعية العامة لعام (1957د/ 18) ناقشت تقرير اللجنة وظهر انقسام حاد بين الأعضاء حول حصر عناصر الركن المادي لجريمة العدوان، وانتهت إلي إحالة الموضوع للدول الأعضاء لإبداء الرأي، وفي عام1959م اجتمعت اللجنة الخاصة وقررت إرجاء تقديم تقريرها إلي 1962م لظهور خلافات بين الدول حول ماهية العدوان، وأرجأت الموضوع لعام1965م، وفي ذات العام اجتمعت اللجنة ولم تنجح في وضع تعريف للعدوان.
وفي18/12/1967م قررت الجمعية العامة بناء علي توصية اللجنة السادسة في جلساتها الثانية والعشرين بأن الحاجة أصبحت ملحة لتعريف العدوان، وشكلت الجمعية العامة لجنة مكلفة من(35) عضوا راعت في تشكليها التوزيع الجغرافي العادل، وبعد اجتماعات في أعوام(1968/1969/1970/1971/1972/1973) وفي ابريل1974 تم الاتفاق علي تعريف موحد للعدوان تبنته الجمعية العامة في القرار رقم(3314) الصادر في1974م، تكون من ديباجة طويلة وثماني مواد
وعرف العدوان بأنه: "استعمال القوة المسلحة من قبل دولة ما ضد سيادة دولة أخرى أو سلامتها الإقليمية أو استقلالها السياسي أو أية صورة أخرى تتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة"، ويندرج تحت العدوان طبقاً لمفهوم الأمم المتحدة الغزو أو الهجوم على إقليم دولة أخرى أو الاحتلال العسكري لهذا الإقليم أو ضمّه أو ضمّ جزء منه) وعرف جريمة العدوان بأنها( ترتكب حينما يوجه الهجوم المسلح الذي تقوم به دولة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة أخري وذلك بهدف الاحتلال العسكري أو الضم الشامل أو الجزئي لإقليم تلك الدولة(
[13]).
إن أفترضنا جدلا أن إسرائيل لها وجود قانوني في فلسطين المحتلة وهي دولة طبقا لقرار التقسيم وقبولها عضوا في الأمم المتحدة، فأنها تكون بذلك قوة احتلال فيما ذلك، وتطبيقا لقرار التقسيم بوجود دولة عربية فأن ما تقوم به إسرائيل علي مناطق الغربية وغزة جريمة عدوان تطبيقا علي ما سبق ذكره من أحكام، وكل ما تقوم به من اعتداءات علي الأراضي الفلسطينية مخالف للقانون الدولي.
3 – التكييف القانوني للممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية
نتناول هنا بالدراسة التكييف القانوني للممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية وضد الفلسطينيين في البنود التالية: 1 - الهجمات المباشرة على المدنيين: تقوم قوات الاحتلال الإسرائيلي بشن هجمات مباشرة علي المدنيين بالضفة وغزة، مما يخالف ما نصت عليه المادة (48) من البروتوكول الأول علي مبدأ التمييز وهو القاعدة الأساسية المتعلقة بحماية المدنيين في النـزاع المسلح الدولي وغير الدولي فقالت (تعمل أطراف النـزاع على التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجيه عملياتها ضد الأهداف العسكرية دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام وحماية السكان المدنيين والأهداف المدنية) ولكن الدول دائما لا تعترف بأنها تستهدف المدنيين عمداً، وعدداً قليلاً جداً من الجماعات المسلحة وحركات التحرر الوطني يعترفون بذلك، ويتم تبرير الهجمات المباشرة على المدنيين بنفي أن يكون الضحايا مدنيين، ويتم تبرير قصف المدنيين من خلال غموض التفرقة بين الأهداف العسكرية والأهداف المدنية، وبمبدأ الضرورة العسكرية، و يُستهدف المدنيون في معظم النـزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية فإن معظم الضحايا من المدنيين. وقد نص النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة(المادة 8 /2/ ب/أ) علي إن شن هجمات متعمدة ضد السكان المدنيين بصفتهم كذلك، أو ضد الأفراد المدنيين الذين لا يشتركون في الأعمال الحربية، يعتبر جريمة حرب، علما بأن قائمة جرائم الحرب الواردة في النظام الأساسي من القانون الدولي العرفي.
2 - العمليات العسكرية ضد الأهداف المدنية: تشن قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليات عسكرية ضد أهداف مدنية فلسطينية واضحة للعيان بأنها أهداف مدنية، فقوات الاحتلال الإسرائيلي جعلت كل ما علي الأرض في الضفة وغزة هدفا عسكريا، وقد عرفتً المادة (52/1) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م الأول الأهداف المدنية بإن (الأهداف المدنية هي جميع الأهداف التي ليست أهدافاً عسكرية) وعرفت الأهداف العسكرية في الفقرة الثانية من ذات المادة بأنها (تلك التي تساهم مساهمة فعالة في العمل العسكري، سواء كان ذلك بطبيعتها أو بموقعها أو بغايتها أو باستخدامها، والتي يحقق تدميرها التام أو الجزئي أو الاستيلاء عليها أو تعطيلها في الظروف السائدة حينذاك ميزة عسكرية أكيدة).
إن الأهداف التي لا ينطبق عليها هذه المعايير تعتبر أهدافاً مدنية، وفي الحالات التي يكون فيها من غير الواضح ما إذا كان الهدف يُستخدم لأغراض عسكرية أم لا، فإنه ينبغي الافتراض بأنه هدف مدني طبقا للمادة(52/3)، كما إن التعليق المعتمد على البروتوكولين الإضافيين المبرمين في 8 يونيو/حزيران 1977 والملحقين باتفاقيات جنيف المبرمة في 12 أغسطس/آب 1949، والذي نشرته اللجنة الدولية للصليب الأحمر (تعليق الصليب الأحمر) يفسر عبارة (الميزة العسكرية المؤكدة المتوقعة) بإن (شن هجوم يعطي ميـزات محتملة أو غير مؤكدة
هو أمر غير مشروع).
وكثيراً ما تُستخدم التفسيرات الفضفاضة للغاية من أجل تبرير الهجمات التي تهدف إلى إلحاق الضرر بالمؤسسات الاقتصادية للدولة ولكسر الروح المعنوية للسكان المدنيين من أجل إضعاف قدرة الطرف الآخر على القتال، إن هذه التفسيرات للميزة العسكرية تخالف مبدأ حصانة المدنيين وغيره من المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي، مما يشكل تهديداً خطيراً للمدنيين، وقد أقر الدليل العسكري الألماني إنه (إذا كان إضعاف عزيمة السكان الأعداء على القتال هدفاً مشروعاً للقوات المسلحة، فإنه لن تكون هناك حدود للحرب).
فقد استهدفت إسرائيل بشكل متعمد وعلى نطاق واسع المدنيين والأهداف المدنية في غزة التي ليس لها أي علاقة بالأهداف العسكرية لا من قريب أو بعيد وحتى لو قيل إن بعض هذه الأهداف تصلح كأهداف عسكرية (لأنها تخدم غرضاً مزدوجاً) فإن إسرائيل ملزمة بأن تكفل ألا تشكل مهاجمة هذه الأهداف انتهاكاً لمبدأ التناسب فالطريق الذي يمكن استخدامه للمواصلات العسكرية يظل بطبيعته هدفاً مدنياً بشكل أساسي، وينبغي أن تُقاس الفائدة العسكرية المتوقعة من تدمير الطريق بالتأثير المحتمل لهذا التدمير على المدنيين الذين يحاولون الفرار من النـزاع. إن لتدمير البنية التحتية نتائج مدمرة على السكان المدنيين، وذلك يبين أن حملة القصف غير متناسبة، كما أنها تنطق بصوت عال بأن إسرائيل انتهكت مبدأ حظر ضرب الأهداف التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، فإنه يتعين على إسرائيل أن تتخذ الاحتياطيات اللازمة عند مهاجمتها وأن تختار الطريقة الأقل إضراراً بالمدنيين، إن شن هجمات متعمدة على الأهداف المدنية جريمة حرب طبقا للمادة(8/2/ ب/ii) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.3 - الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة: كل عمليات قوات الاحتلال الإسرائيلي عشوائية وغير متناسبة مما يخالف القانون الدولي الإنساني فقد نصت المادة(51/4) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م على حظر الهجمات العشوائية فأوردت(تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن أن توجه إلى هدف عسكري محدد، وتلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن حصر آثارها على النحو الذي يتطلبه هذا البروتوكول) لذلك فأن الهجمات العشوائية بطبيعتها تصيب الأهداف العسكرية والمدنيين أو الأهداف المدنية من دون تمييز، وتحدد المادة (51/5) نوعاً آخر من الهجمات العشوائية وهو(الهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه أن يسبب خسائر في أرواح المدنيين أو إصابات في صفوفهم أو أضراراً بالأهداف المدنية أو مزيجاً من هذه الخسائر والأضرار، يفرط في تجاوز ما يُنتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة).
وتقع الهجمات غير المتناسبة والهجمات العشوائية عموماً عندما تنهك القوات المسلحة مبدأ التمييز، وتهاجم هدفاً عسكرياً دون الاكتراث بالعواقب المحتملة على المدنيين، باستخدم سلاحاً غير قادر على إصابة الهدف العسكري بدقة إما لطبيعته أو نتيجة للظروف التي استُخدم فيها وقد تظهر تكتيكاتها العسكرية أو أسلوب الهجوم الاستهانة بارواح المدنيين.
إن شن هجوم غير متناسب بشكل متعمد يعتبر جريمة حرب بموجب المادة(8/2/ ب/ 17) وشن هجوم عشوائي يسفر عن خسائر في الأرواح أو إصابات بجروح للمدنيين أو أضرار في الأهداف المدنية يعتبر جريمة حرب(
[14]). 4 - الاحتياطيات أثناء الهجوم: لا تأخذ قوات الاحتلال الإسرائيلي الاحتياطيات الواجبة التي فرضها القانون عليها، فقد نصت المادة(57) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م علي أنه(يجب أن تُبذل رعاية متواصلة في إدارة العمليات العسكرية من أجل المحافظة على السكان المدنيين والأشخاص المدنيين والأهداف المدنية) وفي حالة عدم وضوح ما إذا كان الهدف يُستخدم لأغراض عسكرية أم لا، (ينبغي الافتراض بأنه غير مستخدم لتلك الأغراض) طبقا للمادة (35/2) منه، وقد نصت المادة(57/2) علي التدابير الاحتياطية االتالية(تُتخذ الاحتياطيات التالية فيما يتعلق بالهجوم: أ) يجب على من يخطط لهجوم أو يتخذ قراراً بشأنه:
(i) أن يبذل ما في طاقته عملياً للتحقق من أن الأهداف المقرر مهاجمتها ليست أشخاصاً مدنيين أو أهدافاً مدنية، وأنها غير مشمولة بحماية خاصة، ولكنها أهداف عسكرية في منطوق الفقرة الثانية من المادة (52)، ومن أنه غير محظور مهاجمتها بمقتضى أحكام هذا البروتوكول.
(ii) أن يتخذ جميع الاحتياطيات المستطاعة عند اختيار وسائل وأساليب الهجوم من أجل تجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين، أو إلحاق الإصابات بهم أو الإضرار بالأهداف المدنية، بصفة عرضية، وحصر ذلك في أضيق نطاق على أي الأحوال.(iii) أن يمتنع عن اتخاذ قرار بشن أي هجوم قد يتوقع منه بصفة عرضية أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم، أو الإضرار بالأهداف المدنية، أو أن يحدث مزيجاً من هذه الخسائر والأضرار، مما يفرط في تجاوز ما يُنتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.ب) يُلغى أو يُعلَّق أي هجوم إذا تبين أن الهدف ليس هدفاً عسكرياً أو أنه مشمول بحماية خاصة، أو أن الهجوم قد يتوقع منه أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو إلحاق الإصابة بهم أو الإضرار بالأهداف المدنية أو أن يحدث مزيجاً من هذه الخسائر والأضرار، بصفة عرضية، تفرط في تجاوز ما يُنتظر أن يسفر عنه ذلك الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة.
ج) يوجَّه إنذار مسبق وبوسائل مجدية في حالة الهجمات التي قد تمس السكان المدنيين، وما لم تحل الظروف دون ذلك).
وقد هاجمت إسرائيل مواقع ادَّعت أنها استُخدمت لإطلاق صواريخ عليها أسفرت عن وفاة العديد من المدنيين، وحتى لو تحققت إسرائيل من أن الصواريخ قد أُطلقت من موقع محدد، فإنها يجب أن تتخذ الاحتياطيات الضرورية قبل شن الهجوم، وما إذا كان الهدف قد بقي ذا صفة عسكرية، فإذا أُطلق صاروخ من على سطح أحد منازل المدنيين، ثم غادر قاذف الصاروخ والمقاتلون المكان، فإنه لا يجوز اعتبار هذا المنـزل هدفاً عسكرياً، ويجب التأكد عما إذا كان المدنيون بالقرب من الهدف، وضمان ألا يكون الهجوم غير متناسب في حالة الهجوم.
5 - عدم السماح بوصول المساعدات الإنسانية وحظر التجويع: تقوم قوات الاحتلال الإسرائيلي بفرض حصار ظالم علي الأراضي الفلسطينية بالسيطرة الغير المشروعة علي المعابر وتمنع دخول المساعدات الإنسانية لهم مما يخالف القانون الدولي تحت مزاعم ودعاوى أمنية مزيفة، فقد نصت المادة(54/ 1/ 2) من البروتوكول الإضافي الأول لعام1977م علي حظر تجويع السكان المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، كما يُحظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأهداف والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين ويتعين على أطراف النـزاع أن تسمح وتسهِّل المرور السريع وبدون عراقيل للإغاثة الإنسانية المحايدة طبقا للمادة (70 )منه كما يتعين عليها احترام وحماية أفراد الخدمات الطبية ووسائل مواصلاتهم طبقا للمادتين(15و21) منه.
تفرض إسرائيل حصاراً بحرياً وجوياً على الأراضي الفلسطينية مما أدي إلي تردي الأوضاع الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون يوماً بعد يوم، وأدى عدم تزويد غزة بالوقود اللازم لتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية وغيرها إلي إظلام غزة وتوقف الحياة شبة الكامل وحرمان المستشفيات والمستوصفات وغيرها من المرافق الطبية من عمل المعدات الطبية الضرورية، كما أن عربات الإسعاف وطواقم الإنقاذ تعرضت للهجوم من قبل القوات الإسرائيلية، بينما كانت تحاول الوصول إلى ضحايا القصف، ومع أن عمليات الحصار غير محظورة بحد ذاتها، فإنها ينبغي أن تلتزم بحق السكان المدنيين الذين يحتاجون إلى تلقي الإغاثة الإنسانية، كما تنص على ذلك اتفاقية جنيف الرابعة والبروتوكول الأول.
إن استخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب عن طريق حرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك إعاقة وصول مواد الإغاثة بشكل متعمد، يعتبر جريمة حرب طبقا للمادة (8/2 /ب/xxv) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، كما أن توجيه الهجمات بشكل متعمد ضد موظفي هيئات الخدمات الإنسانية أو منشآتها أو موادها أو وحداتها أو مركباتها يعتبر جريمة حرب طبقا للمادة (8/ 2 /ب/iii) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وكذلك فإن جعل أفراد الهيئات الطبية والدينية أو الوحدات الطبية أو وسائط النقل الطبية هدفاً للهجوم يعتبر جريمة حرب طبقا للمادة (8/ 2 /ب/ xxiv) منه، بيد أن البروتوكول يوضح أنه حتى لو قام أحد الطرفين بالاحتماء خلف المدنيين، فإن مثل هذا الانتهاك للقانون الدولي (يجب ألا يعفي أطراف النـزاع من التزاماته القانونية فيما يتعلق بالسكان المدنيين والأشخاص المدنيين) وعلاوة على ذلك، فإن المادة (50/3) من البروتوكول الأول تنص على أنه(لا يُجرد السكان المدنيون من صفتهم هذه بسبب وجود أفراد بينهم لا ينطبق عليهم تعريف المدنيين).
إن استخدام وجود شخص مدني أو غيره من الأشخاص المحميين من أجل حماية نقاط أو مناطق أو قوات عسكرية من العمليات العسكرية يعتبر جريمة حرب (القانون الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة(8/2//ب/xxiii).
6 - حظر استخدام الأسلحة العشوائية: تحظر المادة (51/4) من البروتوكول الأول الهجمات العشوائية، بما فيها(تلك التي تستخدم أسلوباً أو وسيلة للقتال، لا يمكن توجيهه إلى هدف عسكري محدد، والهجمات التي لا يمكن حصر آثارها على النحو الذي يتطلبه هذا البروتوكول) مما يعني أنه في كلتا الحالتين أن الهجمات السالفة من شأنها أن تصيب أهدافاً عسكرية ومدنيين أو أهدافاً مدنية من دون تمييز تعتبر جريمة حرب، وكافة هجمات قوات الاحتلال الإسرائيلية من هذا النوع، لذلك فهي جرائم حرب.
ويمكن تعريف السلاح العشوائي بأنه السلاح الذي له آثار لا تميز إما بسبب خصائصه المتأصلة فيه أو بسبب طريقة استخدامه، أو بسبب كليهما، وحيثما تُظهر الأدلة أن سلاحاً ما ينطوي على احتمال كبير بأن تكون له آثار عشوائية، لسبب ما أو لعدة أسباب مجتمعة، فإن حظر هذا السلاح ربما يمثل الطريقة الأكثر فعالية لمنع وقوع مثل هذه الآثار العشوائية.
7- الأسلحة العنقودية: تصبح القنابل أو القذائف العنقودية بعد إلقاءها عشرات القنيبلات أو الذخائر الصغيرة على مساحة واسعة بحجم ملعب أو ملعبي كرة قدم، ويمكن إسقاطها من الطائرات أو إطلاقها من المدفعية أو قاذفات الصواريخ، وهناك بين (5% إلي 20%) من القنابل العنقودية لا تنفجر، وذلك يعتمد على نوع الذخائر الصغيرة المستخدمة فيها، و تُترك هذه النسبة كبقايا متفجرة للحروب، وتشكل تهديداً للمدنيين شبيهاً بالتهديد الذي تمثله الألغام الأرضية المضادة للأفراد، مما يجعلها من الأسلحة المحرمة دوليا، وتستخدم قوات الاحتلال الإسرائيلية هذا النوع من السلاح في معظم هجماتها علي الأراضي الفلسطينية مما يشكل جريمة حرب.
8- الأسلحة التي تستخدم اليورانيوم المستنفد: تستخدم قوات الاحتلال الإسرائيلية اليورانيوم المستنفد هو معدن ثقيل سام كيميائياً ومشع، يُستخدم بشكل خاص في الذخيرة الخارقة للدروع، كما أن الأسلحة التي تستخدم اليورانيوم المستنفد أكثر كثافة من الأسلحة التقليدية، بمعنى أنها تستطيع اختراق الدروع القوية بسهولة أكبر؛ فهي تشتعل عند الارتطام وتولد غباراً مشعاً، و لا يزال تأثيرها موضوعاً للجدل المتعلق بالسلامة. وشأنه شأن المعادن الثقيلة، فإن اليورانيوم المستنفد سام ويشكل خطراً على الصحة بغض النظر عن إشعاع البقايا، لذلك فهو محرم دوليا، مما يشكل انتهاكا خطيرا لقانون الحرب.
9- الأسلحة الأخرى: بالإضافة إلى حظر استخدام الأسلحة ذات الطبيعة العشوائية، فإن القانون الإنساني الدولي يحظر الأسلحة التي تسبب إصابات أو معاناة لا مبرر لها كأسلحة الليزر التي تسبب العمى كما أن المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي تنظِّم استخدام الأسلحة الأخرى، وينبغي ألا تستخدم هذه الأسلحة لاستهداف المدنيين ولا في الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة. وينص البروتوكول الثالث بشأن حظر أو تقييد استعمال الأسلحة المحرقة وهو بروتوكول إضافي لاتفاقية الأمم المتحدة للعام 1980 بشأن حظر وتقييد استعمال أسلحة تقليدية معينة على حظر استخدام مثل هذه الأسلحة ضد المدنيين، كما يحظر جعل أي هدف عسكري موجود داخل تجمعات المدنيين هدفاً للهجوم بالأسلحة المحرقة، ويُذكر أن إسرائيل ليست دولة طرفاً في البروتوكول الثالث بشأن حظر وتقييد استعمال الأسلحة المحرقة، ولكنها ملزمة بما سبق بيانه من محظورات تتضمن في داخلها تحريم استخدام هذه الأسلحة.
وتستخدم قوات الاحتلال الإسرائيلية القنابل الفراغية وهي نوع من الأسلحة الحرارية المعروفة أيضاً باسم متفجرات هواء الوقود، وهذا النوع من السلاح يولد سحابة من الغازات الخفيفة في المنطقة المستهدفة، ثم يتم إشعالها فتشكِّل كرة نارية تفرِّغ الهواء من الجو وتُحدث تأثيرات مميتة، من قبيل الإصابة بحروق شديدة وتعطيل الرئتين، على الأشخاص الموجودين في المنطقة المستهدفة، وهذه الأسلحة، شأنها شأن جميع أسلحة الحرب الحديثة، تشكل خطراً على المدنيين ويمكن استخدامها في الهجمات العشوائية وغيرها من الهجمات غير القانونية، إن إمكانياتها التدميرية الهائلة تثير بواعث القلق من لأنها تسفر قتل عشوائي، لذلك فاستخدامها جريمة حرب.
10- أسرى الحرب:
تحدد اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949م بشأن معاملة أسرى الحرب من هو الشخص المؤهل للتمتع بصفة أسير حرب، وتتضمن أحكاماً تفصيلية بشأن المعاملة التي ينبغي أن يحظى بها أسرى الحرب، ووفقاً للمادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة، فإن أسرى الحرب هم "الأشخاص الذين ينتمون إلى إحدى الفئات التالية ويقعون في قبضة العدو:
1- أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النـزاع والمليشيات أو الوحدات المتطوعة التي تشكل جزءاً من هذه القوات المسلحة.2- أفراد المليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة الذين ينتمون إلى أحد أطراف النـزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان هذا الإقليم محتلاً، على أن تتوفر الشروط التالية في هذه المليشيات أو الوحدات المتطوعة، بما فيها حركات المقاومة المنظمة المذكورة:
‌أ- أن يقودها شخص مسئول عن مرؤوسيه؛
‌ب- أن تكون لها شارة مميزة محددة يمكن تمييزها من بُعد؛‌ج- أن تحمل الأسلحة جهراً؛
‌د- أن تلتزم في عملياتها بقوانين الحرب وأعرافها.
3- أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة...)
وتنص المادة الخامسة من الاتفاقية السالفة على ما يلي (في حالة وجود أي شك بشأن انتماء أشخاص قاموا بعمل حربي وسقطوا في يد العدو إلى إحدى الفئات المبينة في المادة الرابعة، فإن هؤلاء الأشخاص يتمتعون بالحماية التي تكفلها هذه الاتفاقية لحين البت في وضعهم بواسطة محكمة مختصة). وفيما يتعلق بمعاملة أسرى الحرب، فإن المادة(13) منها تنص على أنه (يجب معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات) وبموجب المادة(14) منها فإن (لأسرى الحرب الحق في احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال) وبموجب المادتين(22 و 23 )من هذه الاتفاقية، فإنه لا يجوز في أي وقت إرسال أي أسير حرب إلى منطقة قد يتعرض فيها لنيران منطقة القتال؛ واحتجازه فيها، أو استغلال وجوده لجعل بعض المواقع أو المناطق في مأمن من العمليات الحربية.
وبهذه الصفة يجب أن يُعاملوا جميعاً معاملة إنسانية، ويجب ألا يُحتجزوا كرهائن، كما ينبغي أن يُسمح للجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارتهم بلا تأخير.إن التعذيب والمعاملة اللاإنسانية جريمة حرب طبقا للمادة (8/2/ أ/ii) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ) واحتجاز الرهائن هو جريمة حرب طبقا للمادة (8/2/ أ/viii) كما أن قتل أو جرح المقاتل الذي استسلم، أو أصبح عاجزاً عن القتال، يعتبر جريمة حرب طبقا للمادة ( 8/2/ /ب/ vi) من النظام الأساسي.
وقد انتهينا سابقا إلي أن فصائل المقاومة الفلسطينية تعتبر حركات تحرر وطني في القانون الدولي لذلك فكل الأسري في السجون الإسرائيلية هم أسري حرب تنطبق عليهم الأحكام السالفة، ويعتبر عدم تطبيقها جريمة حرب. 11- لا إفلات من العقاب: وضع القانون الدولي الإنساني عدة ضمانات لعدم إفلات مرتكبي الجرائم الدولية من العقاب، فنصت المادة(86) من البروتوكول الأول (تعمل الأطراف السامية المتعاقدة وأطراف النـزاع على قمع الانتهاكات الجسيمة واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع كافة الانتهاكات الأخرى لاتفاقيات جنيف ولهذا البروتوكول، التي تنجم عن التقصير في أداء عمل واجب الأداء). وتوضح المادة(91) أنه يُطلب من (طرف النـزاع الذي ينتهك أحكام الاتفاقيات أو هذا البروتوكول، دفع تعويضات، إذا اقتضت الحال، ويكون مسئولا عن كافة الأعمال التي يقترفها الأشخاص الذين يشكلون جزءاً من قواته المسلحة) ويتحمل الأفراد، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، وبغض النظر عن رتبهم، المسؤولية الجنائية عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي. كما أن القادة يتحملون المسؤولية عن أفعال مرؤوسيهم. وبحسب النص الحرفي للمادة (86/2) فإنه لا يُعفي قيام أي مرؤوس بانتهاك الاتفاقيات أو هذا البروتوكول رؤساءه من المسؤولية الجنائية أو التأديبية، حسب الأحوال، إذا علموا، أو كانت لديهم معلومات تتيح لهم في تلك الظروف أن يخلصوا إلى أنه كان يرتكب، أو أنه في سبيله لارتكاب مثل هذا الانتهاك، ولم يتخذوا كل ما في وسعهم من إجراءات مستطاعة لمنع أو قمع هذا الانتهاك).
ولا يجوز التذرع بالأوامر العليا للدفاع عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي، مع أنه يمكن أخذها بعين الاعتبار في تخفيف العقوبة، وقد تم الاعتراف بهذا المبدأ منذ محاكمات نورمبرج بعد الحرب العالمية الثانية، وحاليا جزء من القانون العرفي الدولي وتوجد عدة آليات ممكنة للتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي التي ترتكب من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية منها اللجنة الإنسانية الدولية لتقصي الحقائق.
يجب أن تلتزم جميع أطراف النـزاع بطلب خدمات اللجنة الإنسانية الدولية لتقصي الحقائق، التي أُنشأت بموجب المادة(90) من البروتوكول الأول للتحقيق في الانتهاكات الخطيرة المزعومة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الأول، إن عملية التحقيق الذي تقوم بها اللجنة الإنسانية الدولية لتقصي الحقائق ضروريا للتأكد من أنه تم التوصل إلى الحقائق بصورة محايدة وموثوق بها، ولتقديم توصيات مناسبة لمتابعة العمل، كما يمكن أن يكون بمثابة رادع لارتكاب مزيد من الانتهاكات على أيدي أطراف النـزاع، ويجوز للجنة الإنسانية الدولية لتقصي الحقائق أن تقرر بحسب ما يكون ذلك ملائماً، الطلب من مجلس الأمن إحالة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.
وكي تستفيد الدول من خدمات اللجنة، ينبغي أن تصادق على البروتوكول الأول وأن تصدر إعلاناً بموجب المادة(90 /2/أ) التي تنص على أن الدول الأطراف في البروتوكول (يجوز لها، لدى التوقيع أو التصديق أو الانضمام إلى البروتوكول، أو في أي وقت آخر لاحق، أن تعلن أنها تعترف اعترافاً واقعياً ودون اتفاق خاص، فيما يتعلق بأي طرف سام متعاقد يقبل الالتزام نفسه، باختصاص اللجنة بالتحقيق في ادعاءات مثل هذا الطرف الآخر وفقاً لما تجيزه هذه المادة).
ولكن الدول التي لم تصادق على البروتوكول الأول يمكنها أن تعلن استعدادها للاستفادة من خدمات اللجنة وفقاً لما تنص عليه المادة(90/2/د) التي توضح أن (اللجنة لا تجري تحقيقاً في الحالات الأخرى لدى تقدم أحد أطراف النـزاع بطلب ذلك، إلا بموافقة الطرف الآخر المعني أو الأطراف الأخرى المعنية) وتتألف اللجنة الإنسانية الدولية لتقصي الحقائق من خبراء قانونيين وعسكريين وقضاة وأطباء من جميع مناطق العالم، وتتولى الحكومة السويسرية عمل أمانة اللجنة بصفتها الدولة التي أُودعت لديها اتفاقيات جنيف والبروتوكولان الملحقان بها، ولكن هذه المادة اشترطت موافقة كافة الأطراف مما يعني استحالة تكوين اللجنة بالنسبة لما يجري في الأراضي الفلسطينية لأن إسرائيل لن توافق علي ذلك.
من جانب المحكمة الجنائية الدولية: لم تصادق إسرائيل ولا السلطة الفلسطينية على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ولا تدخل الأوضاع في فلسطين ضمن الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية، ما لم يقوم مجلس الأمن بإحالتها إلى المحكمة وفقاً للمادة (13/ب) من نظام المحكمة الأساسي، ويمكن لإسرائيل والسلطة الفلسطينية الاعتراف بالولاية القضائية للمحكمة بإصدار إعلان بموجب المادة (12/3) من قانون المحكمة.
ولم توقع إسرائيل وأمريكا علي هذه الاتفاقية اصرتا علي عدم الاعتراف بالتوصيف النهائي للجرائم التي يمكن اتهام الدول بالقيام بها خاصة جرائم مثل الاستيطان في ارض الغير وإبعاد أهل البلاد عن الأماكن التي عاشوا فيها سنوات طويلة هم وأهاليهم، ووفقا للمادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة يعد إبعاد السكان أو نقلهم قسريا متي تم بطريقة متكررة ومتتابعة ومنظمة أو علي نحو واسع النطاق جريمة ضد الإنسانية، ويشكل انتهاكا واضحا لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 إذا ارتكبت ضد الأشخاص المدنيين الذين تحميهم هذه الاتفاقية.
كما يعني الاستيطان وفق هذه المادة ووفقا للأعراف الدولية ومبادئ القانون الدولي قيام دولة الاحتلال علي نحو مباشر أو غير مباشر بنقل بعض من سكانها المدنيين إلي أماكن أخري غير تلك التي درجوا علي العيش فوقها وتشير المادة نفسها إلي ضرورة حماية الممتلكات الثقافية والدينية للقطر المحتل وذلك اتفاقا مع ما جاء في هذه الاتفاقية واتفاقية لاهاي لعام1954م حيث حرمت الإتيان بأي إعمال عدوانية ضد هذه المباني حتى في فترات النزاع المسلح، ومن المعروف أن الحماية التي توفرها هذه الاتفاقيات للممتلكات الثقافية المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو الآثار التاريخية أنما ترجع إلي كونها تراثا إنسانيا يجب الحفاظ عليه بكل السبل إلي جانب العمل علي وقايته ضد عوامل التدمير والتلف.
الجرائم التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية تعتبر جرائم ضد الإنسانية
فقائمة الممارسات التي قامت بها إسرائيل وتصنف كجرائم ضد الإنسانية طويلة تبدأ ما قبل وجود هذا الكيان وما زالت متواصلة، وأكبر جريمة ضد الإنسانية هي قيام هذا الكيان الاستعماري الاستيطاني على حساب شعب آخر، فقد طردت العصابات الصهيونية خلال حرب 1948 ما يزيد على سبعمائة ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم إلى خارج فلسطين وما زالوا يعيشون كلاجئين في أرض الشتات وداخل بلدانهم وهذه جريمة ضد الإنسانية فهي تجمع ما بين جريمة العقاب الجماعي وجريمة الإبعاد وجريمة الإبادة الجماعية، كما أن تدمير إسرائيل لأكثر من أربعمائة قرية عربية ومحوها من الوجود هي جريمة ضد الإنسانية أيضاً، استيلاء دولة إسرائيل بعد قيامها على ممتلكات الفلسطينيين العرب هي جريمة ضد الإنسانية، ناهيك عن الممارسات الأخرى التي تعد جرائم ضد الإنسانية كالاعتقال الجماعي والتعذيب وتدمير المستشفيات وحصار وتجويع الشعب الفلسطيني والاغتيالات السياسية ولا زال مسلسل الجرائم ضد الإنسانية متواصلاً.
من هنا نقرر باتفاق غالبية الآراء الفقهية مسئولية إسرائيل المباشرة عما جري ولازال يجري لمدينة القدس ماديا ومعنويا، فضلا عن باقي الجرائم التي لم يتسع لها المقام، وهذه الأفعال مدانة ومجَرّمة سواء قام بها مدنيون أو عسكريون وسواء جرت بطريق السهو أو عدم التقدير أو الجهل أو بطريق الخطأ، كما أن عدم توقيع إسرائيل علي اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية لا يسقط عنها مسئولية هذه الأعمال الجنائية لأنها أفعال مجرمة في ضوء بنود الاتفاقيات الدولية والقانون والعرف الدوليين وهو ما يعرف دوليا بمصطلح الاتفاق التعاهدي، خاصة أن مثل هذه الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم، مما يدل علي وجود تناقض بين مواد النظام الأساسي الذي صرح بأن يختص بالجرائم التي تقع بعد إقراره.
وطبقا لهذه القواعد يظل مقترفو هذه الجرائم أو من يمثلهم مطلوب محاكمتهم وفقا لقواعد القانون الدولي مهما طال الزمن، بل ويحق لأي دولة معاقبتهم متي وجدوا علي أرضها، بغض النظر عن مكان ارتكاب هذه الجرائم أو جنسية من قاموا بها أو ضحاياها، علما بأن إسرائيل استندت إلي ذلك عندما اختطفت أيخمن وقدمته للمحاكمة وحكمت عليه بالإعدام عام 1962م، وقررت محكمتها في ذلك الوقت أن تحت يدها التبرير الكامل لوصف ما قام به المتهم والنظام الذي كان يعمل لخدمته لفترة محددة من جرائم ضد الإنسانية خاصة ما يوصف بأنه ابادة وتشريد للمدنيين من اليهود الأبرياء.
الأساس القانوني لمسئولية إسرائيل الدولية: يترتب على إسرائيل بموجب قواعد المسئولية الدولية بنوعيها بصفتها قوة احتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 فالمسئولية المدنية بالتعويض عن كافة الأضرار الناجمة عن عدوانها المستمر، والمسئولية الجنائية بمحاكمة الأشخاص المسئولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من قادتها وأفراد قواتها المسلحة والمستوطنين. فأساس المسئولية الدولية بنوعيها لإسرائيل عدم التزامها بقرار التقسيم رقم (181) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29نوفمبر1947، وهو الأساس القانوني الذي استندت إليه لإعلان قيامها في 15مايو1948، علما بأنه باطل في حق الشعب في حق الشعب الفلسطيني لصدوره من طرف لا يملك الحق في السيادة على فلسطين وهى الأمم المتحدة، ولما سبق من بيانه من أسباب، ومع ذلك يبقى القرار سندًا أساسيًا لإقرار المسئولية الدولية.
ولقد سبق أن بينا أن الأراضي الفلسطينية أراضي محتلة بما يني معه أن إسرائيل قوة احتلال في تلك الأراضي، وبالتالي تنطبق عليها اتفاقية لاهاي الرابعة لعام 1907، وتنص المادة الثانية المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع على انطباق الاتفاقيات على جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي حتى لو لم يواجه الاحتلال مقاومة مسلحة أو لم تكن إحدى دول النزاع طرفًا في الاتفاقيات، فالأراضي الفلسطينية تخضع لاحتلال كلي في جميع مدن الضفة الغربية وغزة مما يؤكد انطباق اتفاقيات جنيف الأربع عليها حتى لو لم تكن فلسطين طرفًا فيها وخاصةً اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب.
وأكدت العديد من قرارات مجلس الأمن على انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية باعتبارها أراض محتلة ومنها القرار رقم (237) الصادر في 14يونيو1967(2)، والقرار رقم (271) بتاريخ 15سبتمبر1969، القرار رقم (1322) الصادر في 7أكتوبر2000، ومن أكثر القرارات أهمية القرار رقم (43/58) بتاريخ 6ديسمبر1988 والذي نص على أن ( الجمعية العامة تدين استمرار إسرائيل وتماديها في انتهاك اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب وخاصةً الانتهاكات التي تصفها الاتفاقية بأنها حالات خرق خطيرة لأحكامها، وتعلن مرة أخر أن ما ترتكبه إسرائيل من حالات خرق خطيرة لأحكام تلك الاتفاقية، هي جرائم حرب و إهانة للإنسانية ) وبثبوت انطباق اتفاقيتي لاهاي الرابعة الخاصة باحترام قوانين وأعراف الحرب البرية، وجنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب، وجميع المواثيق الدولية كالبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية وكذلك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تنطبق على إسرائيل السلطة القائمة بالاحتلال نظام المسئولية الجنائية الدولية باعتبارها المسئولة عن جرائم الحرب التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ عام 1948، فالمسئولية الجنائية الفردية التي أقرتها المادة (227) من معاهدة فرساي لعام 1919، وأرستها كمبدأ من مبادئ القانون الدولي محكمتا نورمبرج وطوكيو وطبقتها عمليًا بحق مجرمي الحرب الألمان واليابانيين هي نفسها ما يّستند عليها كسوابق قضائية لإدانة الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع دوليًا لجرائمه المستمرة بحق الشعب الفلسطيني.
فجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي حوكم بموجبها مجرمو الحرب في نورمبرج وطوكيو هي نفس الجرائم التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني والتي تستوجب محاكمة القادة والمسئولين الإسرائيليين لمسئوليتهم الجنائية الفردية عن الجرائم التي يمارسونها، إلى جانب المسئولية المدنية الدولية لإسرائيل بالتعويض عن كافة الأضرار الناجمة عن أعمال العدوان وقد نصت ديباجة اتفاقية لاهاي الرابعة الخاصة بقوانين وأعراف الحرب البرية على إلزام من يخل بأحكام الاتفاقية بالتعويض باعتباره مسئولاً عن جميع الأعمال التي يرتكبها أشخاص ينتمون إلى قوته المسلحة.
تثور المسئولية الدولية لإسرائيل عن جرائمها بحق الشعب الفلسطيني بموجب العديد من المواثيق والاتفاقيات والقرارات الدولية ومن أهمها ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكول الإضافي الأول، واتفاقية مع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، واتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، ومبادئ نورمبرج التي صاغتها لجنة القانون الدولي، ومبادئ التعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم ومعاقبة الأشخاص المذنبين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وكذلك العديد من قرارات الشرعية الدولية الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، التي طالما انتهكتها إسرائيل في تحد سافر للشرعية الدولية ومن أهمها القرار (242) الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967م، والقرار (194) الخاص بحق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين هجروا قسرًا عن أراضيهم بعد حربي 1948 و 1967، وكذلك القرار (3314) الخاص بتعريف العدوان.
لقد حاولت إسرائيل أن تتهرب من المسؤولية بالزعم أن اتفاقية جنيف لا تنطبق على الضفة الغربية وغزة وبالتالي فإن المادة الثامنة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تؤكد على أن الانتهاكات الخطيرة لاتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة المدنيين في المناطق المحتلة تعتبر جرائم حرب، وبالتالي فإن الممارسات الإسرائيلية في الضفة وغزة هي خارج نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن ذلك لم يصمد أمام الجج والأسانيد القانونية القوية السابقة.

4 – كيفية محاكمة قادة إسرائيل في القانون الدولي
ترتيبا علي ما سبق بيانه من توافر المسئولية الدولية بشقيها المدني بالتعويض المالي وإعادة الحال إلي ما كان عليه قبل الاحتلال والعدوان والجنائي في بمحاكمة قادتها وأفراد قواتها العسكرية وكل شخص فيها أرتكب الجرائم الجسيمة التي سبق بيانها أو أشترك أو حرض عليها أمام المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة جنائية دولية خاصة تنشأ لهذا الغرض أو ومحكمة وطنية.
نبين هنا كيفية ممارسة هذا الحق سواء عن طريق الشعب الفلسطيني حكومة وشعبا ومنظمات وفصائل مقاومة، أو أحدي الدول العربية أو غيرها من الدول، أي بيان الآلية التي يمكن عن طريقها الوصول إلي هذا الهدف السامي الذي ترنو إليه وتحلم به كل محب للسلام والأمن الدوليين وكل مناضل في حقل حقوق الإنسان في كل رجا من أرجاء الأرض.
قبل بيان ذلك نذكر هنا الأسباب التي تعرقل الوصول إلي هذا الهدف وهي:
1 – عدم توافر الرغبة والإرادة الحقيقية فيمن يملكون استخدام هذا الحق قانونا.
2 – التواطأ العالمي والإقليمي والمحلي علي عدم استعمال هذا الحق من الدول والمنظمات الدولية وعلي رأسها الأمم المتحدة.
3 – الضغوط الدولية علي من يملكون هذا الحق التي وصلت للتهديد العسكري.
4 – النفوذ الصهيوني الهائل علي المستوي الدولي وخاصة في وسائل الإعلام العالمية التي تظهر جرائم إسرائيل بأنها دفاع شرعي ضد الإرهاب الفلسطيني.
يوجد في القانون الدولي عدة آليات يمكن بواسطتها محاكمة قادة وأفراد قوات الاحتلال الإسرائيلية عما ارتكبته وترتكبه من جرائم في الأراضي الفلسطينية وبعض الدول المجاورة، وتتمثل هذه الآليات في الآتي:
- الوسيلة الأولي: بموجب الاختصاص القضائي العالمي: ونصت عليه العديد من الاتفاقيات الدولية أهمها اتفاقيات جنيف والبروتوكول الأول، وبناء عليها أصدرت بعض الدول قانونا يسمح لها بمحاكمة كل من ارتكب جريمة من الجرائم الدولية، فقد صدور قانون في بلجيكا عام 1993 يسمح بمحاكمة كل مشبوه بارتكاب جرائم حرب سواء ارتكبت في بلجيكا أو خارجها حتى لو لم يكن بلجيكيا، وبموجبه جرت محاكمة أربعة من كبار العسكريين السابقين في رواندا، ورفعت دعوى ضد رئيس ساحل العاج، وفي عام 2001رفعت دعوى ضد شارون من الناجين من مجزرة مخيم صبرا وشاتيلا سبتمبر 1982 أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان.
وسبق لمحكمة بريطانية أن أصدرت أمراً بإلقاء القبض على الجنرال دورون ألموغ القائد السابق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي بعد أن رفع المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان دعوى قضائية ضده لارتكابه جرائم حرب ضد الفلسطينيين في غزة، مستندة إلى دور ألموغ في المجزرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في حي " الدرج " بمدينة غزة بتاريخ 15-7-2002، والتي قتل فيها 15 فلسطينياً، من بينهم تسعة أطفال(
[15]).
وفي 24/2/2008م ببروكسل، عاصمة بلجيكا والاتحاد الأوروبي، حكمت “محكمة الضمير العالمية” على “إسرائيل” بارتكاب جرائم العدوان والحرب والإبادة وجرائم ضد الإنسانية، هي المرة الأولى في تاريخ الصراع مع الكيان الصهيوني يكسب العرب في محكمةٍ عالمية ليس للدول، لاسيما الدول الكبرى، علاقة بها أو تأثير عليها، وجاءت الدعوة إلى إنشاء هذه المحكمة من للدكتورة ليلى غانم، رئيسة تحرير مجلة “بدائل” الإيكولوجية بباريس في مؤتمر علماء الاجتماع في دربن بجنوب إفريقيا في 2006م، وقد استجاب للفكرة عدد من علماء الاجتماع المشاركين، ثم تبناها عدد من نواب المجلس الأوروبي وأساتذة الجامعات ورهط من العاملين في الحقل العام في أوروبا وأمريكا والعالم العربي والإسلامي.
وكونوا هيئة لدعم مبادرة محكمة الضمير العالمية وضعت مخططاً لعقد جلسات المحكمة في بروكسل في 22 و23 و24 فبراير/شباط 2008م، وقد شاركت وفود من بلدان العالم في حضور جلسات المحاكمة، وهيئة المحكمة تكونت من خمسة قضاة عالميين يمثل كل منهم رمزياً إحدى قارات العالم الخمس،
مع أن المحكمة نتاج المجتمع المدني العالمي ولا صلة تنظيمية لها بالأمم المتحدة، لكن محاضر محاكماتها وحكمها سوف ترسل إلى المنظمة الدولية وسيكون لها تأثير في أنشطة هذه الأخيرة، كما في المحاكم الأوروبية التي سوف يرجع إليها ضحايا العدوان الإسرائيلي الذين يحملون جنسيات أوروبية(
[16]).
أما الدفاع فمثّلته جمعية بلجيكية كانت قد دافعت سابقاً عن شارون بواسطة محاميها أما ملف الدعوى القانونية فتضمن اتهام إسرائيل بـ: جريمة الحرب، الجريمة ضد الإنسانية، جريمة الإبادة الجماعية، إضافة إلى جريمة العدوان وجريمة إرهاب الدولة والجرائم ضد حقوق الإنسان. أن المحاكمات في بروكسل شكّلت مادة غنية لأهل القانون والسياسة والإعلام لاستعمالها ضد “إسرائيل” ومنتهكي حقوق الإنسان في كل أرجاء العالم، وأهم فقرات ذلك الحكم التاريخي أنه دمغ إسرائيل بجريمة العدوان، وهي المرة الأولى في تاريخ المحاكم الدولية والأهلية التي يُعتبر فيها العدوان جريمة وأدانها بارتكابها جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة، وهي جريمة لم يسبق لأي محكمة دولية أو أهلية أن دانت أية جهة حكومية بها. واستمعت المحكمة إلى شهادات تسعة شهود لبنانيين من المتضررين بينهم رئيس بلدية ومسعف في الدفاع المدني وطبيب، وكذلك استمعت المحكمة إلى شهادات خمسة اختصاصيين وخبراء لبنانيين مرموقين وبعض الخبراء متعددي الاختصاصات من ايطاليا وبريطانيا وكندا وفرنسا وحكم محكمة الضمير العالمية سيكون خطوة مهمة في هذا السبيل يستفيد منه اللبنانيون المتضررون الذين سيقاضون “إسرائيل” أمام المحاكم الأوروبية للحصول على تعويضات لقاء الأضرار التي لحقت بهم.
وهناك العديد من العقبات اعترضت عمل المحكمة منها منع السلطات المصرية القاضي المصري عضو هيئة المحكمة من مغادرة الأراضي المصرية لمنعه من المشاركة في جلسات المحكمة، ونقل مقر المحكمة من مدرج جامعي في إحدى جامعات بروكسل إلى حيّ صغير في العاصمة وقبول السلطات البلجيكية تأشيرة واحدة من أصل 29 طلباً للشهود والضحايا، فضلاً عن امتناع وسائل الإعلام البلجيكية عن الحضور ومواكبة عمل المحكمة وما يصدر عنها. والأهم من ذلك نجاح المجتمع المدني، اللبناني والعربي والعالمي، في ممارسة تجربة غنية في مواجهة قوى الحرب والاستبداد والهيمنة بإقامة محكمة الضمير واختيار قضاتها المرموقين وإنجاح محاكمة عادلة، رغم جميع الضغوط التي مورست على حكومة بلجيكا وبلدية بروكسل والمنظمات غير الحكومية التي أسهمت بشكل أو بآخر، في دعم فكرة المحكمة والتبرع لصندوقها الأهلي والقيام بالأعمال اللوجستية والتنفيذية اللازمة لتمكينها من إنجاز مهمتها (
[17]).
ولا يوجد أي موانع قانونية أن تصدر الدول العربية مجتمعه عن طريق جامعة الدول العربية قانونا بشأن تشكيل محكمة جنائية لمحاكمة قادة وأفراد قوات الاحتلال الإسرائيلية علي جرائمهم في حق العرب طبقا لما سبق من اختصاص عالمي، ويمكن لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن تفعل ذلك، ويمكن للدول العربية والإسلامية فرادي أو جماعات أن تصدر قوانين تحاكم فيه قادة وأفراد قوات الاحتلال الإسرائيلي عما أرتكبه ويرتكبه من جرائم دولية في حقهم، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا إذا توافرت الإرادة الحقيقية والرغبة الصادقة لعمل ذلك، وطالب مجلس الجامعة العربية على مستوي وزراء الخارجية بذلك، في ختام أعمال دورته العادية رقم (116) سبتمبر 2001م، بتشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، ودعم المبادرات الهادفة إلى ذلك، وقد أكد المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العدل العرب عزمه على ملاحقة المسئولين بحق الاعتداءات والجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلية ضد سكان الأراضي العربية المحتلة في دورته السابعة والثلاثين بالقاهرة وطالب بإيجاد الآليات والوسائل القانونية لحماية الشعب الفلسطيني، وإسرائيل تخشى محاكمة جنرالاتها بجرائم حرب(
[18]).
وطالبت دولة الإمارات العربية المتحدة بتشكيل لجنة تحقيق دولية في المجازر الإسرائيلية ضد أبناء الشعب الفلسطيني في غزة وتشكيل قوة حماية دولية لإنقاذهم من براثن الهمجية الإسرائيلية على غرار لجان التحقيق التي شكلها المجتمع الدولي عندما انتهكت حقوق الإنسان الأوروبي في العديد من البلدان(
[19]). ويمكن أن تجتمع جميع قوى المجتمع العربي بما في ذلك الأنظمة الرسمية، وأجهزتها الدبلوماسية، ومنظمات المجتمع المدني ويمكن تعبئة طاقات شعبية وأهلية خارج البلدان العربية وفي كافة دول العالم للمطالبة بإنشاء المحكمة.
- وسيلة الثانية: المحاكم الدولية الخاصة: عن طريق مجلس الأمن وهو المختص بذلك، ويمكن للأمم المتحدة أن تنشئ محكمة جنائية دولية بقرار من مجلس الأمن، كما في حالة المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا، ولكن تحكم الولايات المتحدة في مجلس الأمن لن يسمح بصدور مثل هذا القرار العادل، ولكن يمكن الوصول إلي هذا القرار عن طريقين هما:
(أ‌) ريق المادة(22) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص علي أن(للجمعية العامة أن تنشئ من الفروع الثانوية ما تراه ضروريا للقيام بوظائفها)فللجمعية العامة طبقا لهذه المادة إنشاء ما يمكنها من أداء دورها فيمكن إنشاء محكمة جنائية دولية، على صورة هيئة معاونة، ففي الجمعية العامة نفوذ الولايات المتحدة أقل، ومن ثم فرصة صدور القرار أكبر، ويمكن إصدار قرار بإنشاء المحكمة المطلوبة.
(ب‌) الاتحاد من أجل السلم: في حالة استخدام الولايات المتحدة حق النقض الفيتو للحيلولة دون إصدار قرار من مجلس الأمن بإنشاء محكمة جنائية لمحاكمة قادة إسرائيل السياسيين والعسكرية والأفراد، يمكن اللجوء إلي الاتحاد من أجل السلم الذي صدر في 3/11/1950م، وقد أعطي هذا القرار علي الجمعية العامة سلطات تتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين، في حالة إخفاق مجلس الأمن في القيام بواجباته ومسئولياته الرئيسية بسبب عدم إجماع الدول الدائمة فيه يحق للجمعية العامة أن تنظر في الموضوع مباشرة وتصدر التوصيات اللازمة للحفاظ علي السلم والأمن الدوليين، وتحل محل مجلس الأمن(
[20]) ويمكن إصدار قرار بإنشاء المحكمة المطلوبة.
3- الوسيلة الثالثة: المحكمة الجنائية الدولية: وهي سلطة القضائية الجنائية الدولية الدائمة يقتصر اختصاصها على الأفراد، وذلك بالنسبة للجرائم المرتكبة بعد دخول النظام الأساسي حيز النفاذ في 2002م، ويمكن محاكمة قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين أمامها عن الجرائم التي ارتكبوها بعد عام 2002م فهي لم تتوقف من أشاء إسرائيل، وذلك عن طريق انضمام الدول العربية للمحكمة وطبلها تحريك الدعوى الجنائية ضد القادة السياسيين والعسكريين وأفراد قواتها المسلحة وكل من ارتكب جريمة من الجرائم سالفة البيان.
وقد بين النظام الأساسي للمحكمة في المادة(12) الشروط المسبقة لممارسة الاختصاص فنصت علي(1- الدولة التي تصبح طرفا في هذا النظام الأساسي تقبل بذلك اختصاص المحكمة فيما يتعلق بالجرائم المشار إليها في المادة 5.
2- في حالة الفقرة أ أو ج من المادة 13، يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إذا كانت واحد ة أو أكثر من الدول التالية طرفا في هذا النظام الأساسي أو قبلت باختصاص المحكمة وفقا للفقرة 3:
أ) الدولة التي وقع في إقليمها السلوك قيد البحث أو دولة تسجيل السفينة أو الطائرة إذا كانت الجريمة قد ارتكبت على متن سفينة أو طائرة.
ب) الدولة التي يكون الشخص المتهم بالجريمة أحد رعاياها.
3- إذا كان قبول دولة غير طرف في هذا النظام الأساسي لازما بموجب الفقرة 2، جاز لتلك الدولة، بموجب إعلان يودع لدى مسجل المحكمة، أن تقبل ممارسة المحكمة اختصاصها فيما بتعلق بالجريمة قيد البحث. وتتعاون الدولة القابلة مع المحكمة دون أي تأخير أو استثناء وفقا للباب 9.) ويمكن للدول العربية الانضمام إلي المحكمة واستخدام تلك المادة لمحاكمة المتهمين خاصة وأنه لم يصادق علي المحكمة إلا اليمن وجيبوتي فقط.
وقد نصت المادة(13) علي كيفية ممارسة الاختصاص أمام المحكمة فقالت
(للمحكمة أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة مشار إليها في المادة 5 وفقا لأحكام هذا النظام الأساسي في الأحوال التالية:
أ) إذا أحالت دولة طرف إلى المدعي العام وفقا للمادة 14 حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.
ب) إذا أحال مجلس الأمن، متصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.
ج) إذا كان المدعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة هن هذه الجرائم وفقا للمادة 15.)
وأبانت المادة(14) من النظام الأساسي كيفية الإحالة من قبل دولة عضو فنصت علي(1- يجوز لدولة طرف أن تحيل إلى المدعي العام أية حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة قد ارتكبت وأن تطلب إلى المدعي العام التحقيق في الحالة بغرض البت فيما إذا كان يتعين توجيه الاتهام لشخص معين أو أكثر بارتكاب تلك الجرائم.
2- تحدد الحالة، قدر المستطاع، الظروف ذات الصلة وتكون مشفوعة بما هو في متناول الدولة المحيلة من مستندات مؤيدة.)
كما يمكن للمدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية أن يباشر التحقيقات كما ورد في المادة(15) من النظام الأساسي فنصت(1- للمدعي العام أن يباشر التحقيقات من تلقاء نفسه على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة.
2- يقوم المدعي العام بتحليل جدية المعلومات المتلقاة، ويجوز له، لهذا الغرض، التماس معلومات إضافية من الدول، أو أجهزة الأمم المتحدة، أو المنظمات الحكومية الدولية أو غير الحكومية، أو أية مصادر أخرى موثوق بها يراها ملائمة. ويجوز له تلقي الشهادة التحريرية أو الشفوية في مقر المحكمة.
3- إذا استنتج المدعي العام أن هناك أساس معقولا للشروع في إجراء تحقيق، يقدم إلى الدائرة التمهيدية طلبا للإذن بإجراء تحقيق، مشفوعا بأية مواد مؤيدة يجمعها، ويجوز للمجني عليهم إجراء مرافعات لدى الدائرة التمهيدية وفقا للقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات.
4- إذا رأت الدائرة التمهيدية، بعد دراستها للطلب وللمواد المؤيدة، أن هناك أساسا معقولا للشروع في إجراء تحقيق وأن الدعوى تقع على ما يبدو في إطار اختصاص المحكمة، كان عليها أن تأذن بالبدء في إجراء التحقيق، وذلك دون المساس بما تقرره المحكمة فيما بعد بشأن الاختصاص ومقبولية الدعوى.
5- رفض الدائرة التمهيدية الإذن بإجراء التحقيق لا يحول دون قيام المدعي العام بتقديم طلب لاحق يستند إلى وقائع أو أدلة جديدة تتعلق بالحالة ذاتها.
6- إذا استنتج المدعي العام، بعد الدراسة الأولية المشار إليها في الفقرتين 1 و 2، أن المعلومات المقدمة لا تشكل أساسا معقولا لإجراء تحقيق، كان عليه أن يبلغ مقدمي المعلومات بذلك. وهذا لا يمنع المدعي العام من النظر في معلومات أخرى تقدم إليه عن الحالة ذاتها في ضوء وقائع أو أدلة جديدة.)
هذه هي الآليات التي يمكن بها محاكمة قادة إسرائيل السياسيين والعسكرية وأفراد القوات العسكرية وكل من أرتكب جريمة من الجرائم، ولكن يبقي توافر الإرادة الحقيقية والرغبة الصادقة لدي من يملكون هذا الحق لاستخدامه

1- أنظر للمؤلف، كتاب مبادئ القانون الدولي العام المعاصر، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ص:91/138.
2- راجع للمؤلف كتاب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات وأركان الجرائم الدولية، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2005م، ص:6.
3 - راجع نصوص الاتفاقيات السابقة كاملة في كتاب اللجنة الدولية للصليب الأحمر نصوص اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، الصادر عام 2002م.
4- راجع للمؤلف كتاب، أزمات السودان الداخلية والقانون الدولي المعاصر، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ص:271 وما بعدها.
5 – راجع للمؤلف كتاب النظرية العامة للأحلاف العسكرية، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع القاهرة، 2005، ص: 255 وما بعدها.
1 - الدكتور/ مخلد الطراونة، التعريف بالمحكمة الجنائية الدولية وبيان حقوق المتهم أمامها، مجلة الحقوق، كلية الحقوق، جامعة البحرين، المجلد الأول، العدد الثاني، يوليه 2004م، ص185
2- الدكتور / نبيل مصطفى إبراهيم خليل، آليات الحماية الدولية لحقوق الإنسان، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة المنصورة، 2004م، ص217.
3 - د / واثبة داود السعدي، نظرة في المحكمة الجنائية الدولية (122) مجلة الحقوق، كلية الحقوق، البحرين، المجلد الأول، العدد الأول، يناير 2005م، ص 342/ 343.

4- الدكتور / أبو الخير أحمد عطية، المحكمة الجــنائية الدولية، دراسة للنــظام الأساسي للمحكمة والجرائم التي تختص المحكمة بالنظر فيها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999م، ص 169.
- د / أبو الخير أحمد عطية، المرجع السابق، ص 190. [10]
6 - د / واثبة داود السعدنى، المرجع السابق، ص 343/344.

7- د / أبو الخير أحمد عطية، المرجع السابق، ص: 216.

8 - الدكتور/ علي يوسف الشكري، القانون الجنائي الدولي في عالم متغير، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، الطبعة الأولي، عام 2005م، ص:176/205.
1- اللجنة الدولية للصليب الأحمر، القانون الإنساني الدولي العرفي، المجلد 1: القواعد، القاعدة رقم 156، ص:589.
15-http://thawra.alwehda.gov.sy/_kuttab_a.asp?FileName=6512197 2820050130211644

[16] -http://thawra.alwehda.gov.sy/_kuttab_a.asp?FileName=65121972820050130211644
http://www.freearabvoice.org/arabi/muhakamatuSharon.htm


جريدة الخليج الإماراتية عدد ٢٥ /2/٢٠٠٨م.[17]
[18]- http://www.naamy.net/index.php?maa=Printid&id=348
//19http://www.gulfinthemedia.com/index.php?id=784466&news_type=Top&lang=ar&
راجع للمؤلف كتاب النظرية العامة للأحلاف العسكرية، دار ايتراك للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2005م، ص:269/271.[20]

0 التعليقات:

Blog Archive