عن موضوع الحج وانفلونزا الخنازير

السبت، 27 يونيو، 2009

صحيفة الرؤيه الكويتيه الأحد 5 رجب 1430 – 28 يونيو 2009
الأطباء حين يفتون – فهمي هويدي
http://fahmyhoweidy.blogspot.com/2009/06/blog-post_1397.html


«أجمع المسلمون قاطبة على أن من غلب على الظن إفضاء خروجه إلى الحج إلى تعرضه أو تعرض طوائف من المسلمين للغرر والخطر، لم يجز له أن يغرر بنفسه وبذويه، ومن يتصل به ويليه، بل يتعين عليه تأخير ما ينتحيه (يبتغيه)، إلى أن يتحقق تمام الاستمكان فيه».

هذه الفقرة مقتبسة من فتوى صدرت قبل ألف عام تقريبا، لأحد الأصوليين الكبار «أبوالمعالي الجويني إمام الحرمين المتوفى سنة 419 هجرية»، وقد وردت في ثنايا كتابه «غياث الأمم»، الذي حققه الدكتور عبدالعظيم درويش، ولم يكن مضمون الفقرة هو موضوع الفتوى، ذلك أنه وهو يتحدث عن عدم جواز الخروج إلى الحج إذا أدى ذلك إلى تعريض المسلمين للخطر، إنما أشار إلى أن ذلك ما أجمع عليه «المسلمون قاطبة»، الأمر الذي يعني أنه لم يأت بجديد فيما قرره واعتبره أمرا مفروغا منه، ولكن إشارته تلك جاءت في سياق فتوى أصدرها بخصوص اعتزام خليفة المسلمين في زمانه أداء فريضة الحج وقال فيها: إن كان ما صمم صدرالإسلام «الخليفة أو الحاكم» عليه الرأى والاعتزام، من ابتغاء تلك المشاعر العظام- يقصد أداء فريضة الحج- متضمنة قطع نظره عن الخليقة، فهو محرم على الحقيقة.

وهو كلام أفتى فيه إمام الحرمين بتحريم سفر ولي الأمر إلى الحج إذا ترتب على ذلك غيابه عن قضاء مصالح الناس ووقف حالهم، وهو يعرض حيثيات فتواه أورد الفقرة التي أشرت إليها في البداية، واستدل بها قائلا إنه إذا كان لا يجوز لعامة المسلمين الخروج لأداء فريضة الحج إذا كان من شأن ذلك تعريضهم للخطر، فأولى بذلك أن يحرم على الحاكم أن يخرج إلى الحج إذ أدى ذلك إلى إهدار مصالح المسلمين، حيث لا يجوز له «أن يقدم نسكا يخصه، على القيام بمناظم الإسلام ومصالح الأنام».

استعدت كلام الإمام الجوينى بمناسبة اللغط المثار هذه الأيام عن جواز الحج والعمرة، في ظل انتشار بعض الأوبئة مثل إنفلونزا الخنازير أو الطاعون، وهو الموضوع الذي تعددت فيه آراء الفقهاء، بين مؤيد لخطر السفر ومعارض له ومتحفظ إزاءه، وهو ما استغربت له، لأن الحكم الشرعي في الموضوع واضح، ولا يحتاج إلى فتوى بخصوصه، وقد رأيت في كلام الجويني الذي قاله قبل ألف عام إنه محل إجماع بين المسلمين قاطبة،

أما تنزيل ذلك الحكم على الواقع، وتقدير ما إذا كان الموقف يستوجب استصدار قرار تنفيذي بوقف الحج والعمرة هذا العام، فإن أهل الذكر فيه ليسوا رجال الإفتاء وعلماء الأصول، وإنما هم المتخصصون من أساتذة الطب وعلمائه، الذين هم «فقهاء» في تخصصاتهم، وللعلم فإن الفقيه في المفهوم الإسلامي ليس فقط من درس العلوم الشرعية وتخصص في الأصول، وإنما هو أيضا كل من حسن إسلامه وتعمق أو تفقه في أي فرع من فروع المعرفة، ذلك أن الأطباء وحدهم هم الذين يستطيعون أن يحددوا ما إذا كان السفر إلى الحج والعمرة فيه خطورة أم لا، وهم أيضا الذين يحددون ما إذا كان إغلاق الحدود ضروريا أم لا، وخوض الأصوليين وأهل الإفتاء في الموضوع هو حديث في غير اختصاصهم، واعتداء على اختصاص الآخرين.

بسبب ذلك، فإنني أعتبر أن الفتوى الحقيقية التي ينبغي اعتمادها في الشق العملي والإجرائي للموضوع تضمنها البيان الذي أصدرته نقابة الأطباء في مصر يوم الأربعاء الماضي 24/6، وقررت فيه أنه لا ضرورة علمية أو صحية لإلغاء رحلات الحج والعمرة هذا العام بسبب فيروس إنفلونزا الخنازير، وهو ما خلصت إليه بعدما استطلعت آراء الأطباء المتخصصين في علم الميكروبيولوجيا الإكلينيكية، الذين اتفقت كلمتهم على أن فكرة الإلغاء لهذا السبب في العام الحالي تعد إجراء علميا غير صحيح.

وإذا كان ذلك شأن إنفلونزا الخنازير، فإن جميع الاحتياطات التي ينبغي اتخاذها في التعامل مع الطاعون الذي لاحت بوادره في ليبيا ينبغي أن نسأل عنها نقابة الأطباء،
وفي كل الأحوال فإننا سنظل بحاجة إلى دعاء فقهائنا وسؤالهم الله أن يرفع عنا البلاء أو يلطف بنا فيه.
...........................

0 التعليقات:

Blog Archive