استهبال سياسي وإعلامي – فهمي هويدي

الخميس، 3 نوفمبر، 2011


صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 7 ذو الحجة 1432 – 3 نوفمبر 2011

استهبال سياسي وإعلامي – فهمي هويدي




بعدما تجدد الحديث عن الدستور في مصر، وعادت بعض رموز المجتمع تقرِّعنا لأننا لم نستجب لدعوتهم إلى البدء بكتابة الدستور قبل إجراء الانتخابات، أصبحت الحجة الرئيسية التي يرددونها هي أن هذا ما فعلته تونس، وأفلحت فيه. وإزاء تواتر هذه المقولة حتى أصبحت «معلومة» مسلما بها.



 رددها أناس محترمون وصدقها آخرون كثيرون، فقد تأكد لدي أن ثمة التباسا في الأمر يحتاج إلى إيضاح. ذلك أنها ليست صحيحة تماما وليست مغلوطة تماما. كيف؟


صحيح أن المجلس التأسيسي سيتولى من جانبه وضع الدستور التونسي الجديد. لكن هذه ليست مهمته الوحيدة وإنما هي إحدى مهامه التي يتعين النهوض بها،

ذلك أن المجلس الذي تم انتخابه في 23 أكتوبر الماضي سيتولى تشكيل الحكومة، وتعيين رئيس الدولة، وممارسة حقه في التشريع والرقابة على الحكومة.

وإلى جوار ذلك فإنه سيضع الدستور الجديد.



وذلك يعني أن المجلس سيباشر مهمات المجلس التشريعي كاملة، ويفترض أن يؤدي تلك المهام خلال عام. ولكن هناك دعوة قوية أطلقها حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (علماني ليبرالي) الذي يقوده الدكتور منصف المرزوقي، طالب فيها بإطالة المدة إلى ثلاث سنوات لتمكين المجلس التأسيسي من أداء مهمته في إرساء قواعد النظام الجديد وتخليصه من شوائب النظام القديم.


الشاهد أن وضع الدستور هو أحد مهام الجمعية وليس مهمتها الوحيدة. وإجراء الانتخابات أولا كان مهما حقا لوضع الدستور لأن من شأنها تمكين الجماهير من انتخاب من يمثلها فى هذه العملية. لكنه مهم أيضا لنقل السلطة إلى ممثلي الشعب في النظام الجديد.


هذا «السيناريو» ليس جديدا في التجربة التونسية. لأن ذلك ما فعلوه بالضبط عقب إعلان الاستقلال عن فرنسا عام 1956. إذ قاموا بإجراء الانتخابات أولا، وشكل أعضاؤها الجمعية التأسيسية التي حملت ذلك الاسم لأن مهمتها تجاوزت حدود مسؤوليات البرلمانات العادية «المتمثلة في الرقابة والتشريع»، حيث أضيفت إليها مسؤولية وضع الدستور وتأسيس الدولة الجديدة.


المقارنة بالحالة التونسية لا تخلو من مفارقة. لأن الذين اعترضوا على البدء بالانتخابات في مصر خشوا من فوز التيار الإسلامي واحتمالات تحكمه في مجلس الشعب وكتابة الدستور.



وحين دعوا إلى احتذاء النموذج التونسي فإنهم تحدثوا فقط عن وضع الدستور الجديد، وتجاهلوا أن الأحزاب صاحبة الأغلبية هي أيضا التي ستشكل الحكومة وتعين رئيس الدولة.

وهو ما يعني أن صلاحيات مجلس الشعب الذي تخوفوا من انتخابه في مصر أضعف بكثير من صلاحيات الجمعية التأسيسية في تونس.

وأظن أن أحدا لو طالب باقتباس النموذج التونسي بتلك الصلاحيات، لأقام أولئك المعترضون الدنيا ولم يقعدوها ولقاتلوا للحيلولة دون ذلك.


لا يقف الأمر عند القراءة الانتقائية للأخبار من جانب البعض، ولكن بعضنا يلجأ أيضا إلى تلوين الأخبار القادمة من تونس حسب مزاجهم السياسي.



ذلك أنه بعد ظهور نتائج الانتخابات وفوز حزب النهضة بأكبر نسبة من الأصوات (أكثر من 40٪) تناقلت وكالات الأنباء تصريحا لأحد القياديين في النهضة ــ نور الدين البحيري ــ قال فيه ما نصه:

نحن مع إعادة بناء مؤسسات دستورية قائمة على احترام القانون واحترام استقلالية القضاء.. واحترام حقوق المرأة بل وتدعيمها.. على قاعدة المساواة بين المواطنين، بصرف النظر عن المعتقد والجنس والجهة التي ينتمون إليها.



هذا الكلام نشرته صحيفة المصري اليوم (في 26/10) تحت العنوان التالي:

إسلاميو تونس يتعهدون بمجتمع تعددي علماني.



واستخدمه الدكتور أسامة الغزالي حرب في مقالة نشرتها الأهرام «عدد 25/10»، مشيرا إلى أن أول ما أعلنه الحزب «النهضة» عقب فوزه كان «العمل على إقامة مجتمع تعددي وعلماني يحترم حقوق الإنسان».



لم يشر قيادي حزب النهضة إلى كلمة العلمانية، ولكن بعض الأعين قرأتها فيما بين السطور، وقولت الرجل ما لم يقله.


أمس الأول «الثلاثاء 1/11» نشرت الصحف حوارا أجرته وكالة الأنباء الألمانية مع الشيخ راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة، سئل فيه عما إذا كانت النهضة تتجه إلى استمرار النظام الليبرالي العلماني في تونس فرد قائلا:

«الدولة التونسية ليست دولة علمانية. بل هي دولة عربية إسلامية وفق ما هو مدرج في الدستور السابق، وسيدرج ذلك في الدستور الجديد أيضا».


إن بعضنا يقرأ الأخبار كما يتمناها وليس كما هي.

وذلك لا يشوه الحقيقة والإدراك العام فحسب، ولكنه يهدر قواعد المهنة، بما يعني أننا لا نضحك على الناس فقط لكننا نضحك على أنفسنا أيضا.

.................

0 التعليقات:

Blog Archive