ملف الأهوال

الأحد، 22 أبريل، 2012


ملف الأهوال


صحيفة الشرق القطريه السبت 29 جمادى الأولى 1433 – 21 أبريل 2012
رحلة إلى عالم الأهوال «1» - فهمي هويدي

المصادفة وحدها قادتني إلى عالم الأهوال المسكوت عليه في عصر مبارك. ذلك أنني منذ تساءلت فيما كتبته يوم 15/4 عن أعداد الذين قتلوا في زنازين المخابرات العامة.
لم يتوقف رنين الهاتف في بيتي من جانب أسر ضحايا تلك المرحلة الكئيبة والمروعة.
ولاحظت أن البعض عاتبوني لأنني لم أتحدث عن ضحايا سجون وزارة الداخلية.

ولأن عددا منهم تركوا لي أرقام هواتفهم، فإن ذلك أتاح لي أن أشرح لهم أن سياق الحديث لم يكن ضحايا سنوات الدم في التسعينيات، ولكنه كان عن محتويات ملف رئيس المخابرات الذي ترشح رئيسا للجمهورية بعد 15 شهرا من الثورة على النظام الذي كان بمثابة الوجه الآخر له.

استوقفني في واحد من تلك الاتصالات أن محدثي ذكر أن ثمة جهدا يبذل منذ عدة أشهر لحصر ضحايا تلك المرحلة، سواء الذين مروا منهم بزنازين المخابرات العامة أو بالسجون التابعة لوزارة الداخلية، وفهمت من المتحدث أنه واحد من فريق عمل يجمع المعلومات المتعلقة بالموضوع.

وحين طلبت منه مزيدا من التفاصيل، فإنه دلني على آخرين ممن تتجمع لديهم تباعا نتائج البحث وتدقيق المعلومات في المحافظات المختلفة، التي تدخل مرحلتها الأخيرة هذه الأيام.

فهمت أيضا أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء (95٪ كما يقولون) من أعضاء الجماعة الإسلامية الذين اقتيدوا إلى السجون تباعا في الفترة ابتداء من عام 92 وحتى عام 2006، بسبب سلسلة العمليات الإرهابية التي قاموا بها حينذاك.
وهي التي يقولون الآن إنهم دفعوا إليها بعدما لجأت أجهزة الأمن إلى تصفية بعض عناصرهم جسديا، فاستنفروا للدفاع عن أنفسهم،
ويقرون الآن بأن العنف الذي استخدموه كان خطأ وقعوا فيه، واعترفوا بذلك في إعلانهم عن مبادرة وقف العنف في عام 97، ثم في بحوث «المراجعات» التي صدرت تباعا في أربعة كتب منشورة.

وبعد الثورة حين سقط نظام مبارك، وانفتح أمام الجميع باب الدعوة إلى التغيير بالطرق السلمية والقانونية، فإنهم شكلوا حزب «البناء والتنمية»، الذي يقوده الدكتور صفوت عبدالغني (وكيل المؤسسين) الذي قضى 20 سنة متقطعة في السجن وعلمت منه أن للحزب الآن 15 نائبا في مجلس الشعب ونائبين في مجلس الشورى.

قبل الدخول في أي تفاصيل، أسجل أنني لست في وارد تقييم تجربة التسعينيات، ولا تبرير موقف الأطراف المختلفة خلالها.
وأشدد على أنني ضد استخدام العنف أسلوبا في تغيير النظام السياسي في ظل الدولة الوطنية،
كما أنني مع التعامل الحازم مع كل من يخالف القانون خصوصا إذا تعلق الأمر بالنظام العام للمجتمع وأمنه.
لذلك فليس لدى أي تعاطف مع موقف جماعات العنف أيا كانت مسمياتها، لكني متعاطف مع إنسانية عناصرها.
ودعوتى إلى التشدد والحزم في التعامل معهم لها شرط واحد هو أن يتم ذلك في حدود القانون.

قال لي الدكتور صفوت عبدالغني إن الاعتقالات في صفوف الجماعة بدأت عام 1986 في عهد اللواء زكي بدر وزير الداخلية، ولكنها كانت لعدة أشهر، إلا أن مدد الاعتقال طالت وارتبطت بالتصفية الجسدية ابتداء من عام 1992 في عهد اللواء حسن الألفي.

إذ في ذلك العام قتل رجال أمن الدولة عضوا في الجماعة اسمه عرفة درويش حين كان يخطب على منبر الجمعة في ديروط، الأمر الذي أثار الأهالي الذين اشتبكوا مع الشرطة آنذاك،
وحين جاء اللواء حبيب العادلي في سنة 95 حدثت الاستباحة الكبرى لعناصر الجماعة.

ذكر الدكتور صفوت أيضا أن عملية التوثيق الراهنة بينت أن الذين تم اعتقالهم من أعضاء الجماعة تراوح بين 22 و23 ألف شخص،
من هؤلاء قتل ما يزيد على ثلاثة آلاف، ونفذ حكم الإعدام في 131 آخرين،
والذين تمت تصفيتهم في السجون كانوا 450 شخصا.
وهؤلاء إما أطلق عليهم الرصاص
وإما ماتوا من التعذيب
أو أصيبوا بأمراض داخل السجن لم يعالجوا منها.
وأقلهم ماتوا قدرا.
أما الباقون فقد قتل أغلبهم بإطلاق الرصاص عليهم عمدا أثناء الملاحقات أو من باب الترويع والتأديب،
ومنهم من قتل أثناء الاشتباكات التي وقعت مع الأجهزة الأمنية.
إضافة إلى هؤلاء، تم رصد 50 حالة اختفاء لناشطين في الحركة. وهى لشباب اختطفوا من الشوارع أو من مقار أعمالهم ولم يظهر لهم أثر منذ أكثر من عشرين عاما.

أغلب الضحايا من الوجه القبلي.
وأعلى نسبة من القتلى من أبناء مركز ديروط بمحافظة أسيوط ومركز ملوي بالمنيا.
أما أغلب المختطفين فهم من محافظتي قنا وأسوان.

وذلك كله تم توثيقه وحصره، بعد مسح الذين تواجدوا في ثمانية سجون كبيرة موزعة على أنحاء مصر، بعضها أنشئ خصيصا لاستيعابهم.
وعملية المسح والتوثيق هذه حددت أسماء الضحايا والتهم التي وجهت إليهم. والسجون التي وزعوا عليها.
كما تضمنت أسماء ضباط جهاز أمن الدولة الذين أشرفوا على تعذيبهم أثناء التحقيق معهم وضباط السجون الذين واصلوا المهمة بعد ذلك بعد انتقال المحتجزين من سلخانات الداخلية إلى بقية السجون.

(يقولون إن 80٪ من أولئك الضباط لا يزالون موجودين ويؤدون عملهم في الجهاز بعد تغيير اسمه إلى الأمن الوطني بدلا من أمن الدولة).

في المسح تفاصيل أخرى مثيرة، تستحق أن نستكملها غدا بإذن الله.
..........................

صحيفة الشرق القطريه الأحد 1 جمادى الأخرى 1433 – 22 أبريل 2012
نظرة على ملف الأهوال "2" – فهمي هويدي

هما جريمتان من العيار الثقيل.
أن تستباح آدمية وأعراض وأموال أكثر من 22 ألف مواطن، وتتحول حياتهم وحياة أهليهم إلى جحيم،
وأن يسكت الجميع على الجريمة البشعة، خصوصا بعض المنظمات الحقوقية لمجرد أن هؤلاء «إسلاميون» لا كرامة لهم ولا بواكي عليهم.

أمس عرضت للخطوط العريضة
التي أسفرت عنها عملية توثيق وتسجيل ما جرى لعناصر الجماعة الإسلامية وأسرهم خلال سنوات الإرهاب والدم خصوصا في تسعينيات القرن الماضي.

ولنا موعد اليوم مع بعض تفاصيل عملية التوثيق.

وأحب أن أنوه قبل الدخول في تلك التفاصيل بأنها لا تمثل التاريخ، لكنها شهادة للتاريخ. بمعنى أنها رؤية الطرف المجني عليه، التي لا ينبغي أن تعد تاريخا إلا إذا خضعت للفحص والتحقيق والمقارنة مع شهادات الطرف أو الأطراف الأخرى.

وعملية الفحص هذه ميسورة بصورة نسبية، لأن شهود المرحلة لا يزالون أحياء، إن لم يكونوا بأشخاصهم فبأهليهم من زوجات وآباء وأبناء.

وأزعم في هذا الصدد أن عملية الفحص إذا أريد لها أن تجلي الحقيقة، فينبغي أن يقوم بها طرف محايد، وأن يعطى الأمان للشهود.
ذلك أن أكثر الذين تحدثت إليهم من أولئك الشهود طلبوا ألا تذكر أسماؤهم حتى لا يتعرضوا لضغوط وإرهاب ضباط «الأمن الوطني» الضالعين فيما جرى، ولا يزالون يباشرون مهماتهم،
كما أنهم حذروا من أن يؤدي فتح الملف وفضح حقائقه إلى ابتزاز وإساءة معاملة 16 من إخوانهم الذين لا يزالون في السجون، وتحتفظ بهم الأجهزة الأمنية كرهائن للتحذير وتأديب الجميع حتى لا يتحدثوا عما جرى لهم

(هناك ناشطون إسلاميون آخرون من خارج الجماعة الإسلامية لم يطلق سراحهم بعد، عددهم 23 شخصا).

من المعلومات التي كشفت عنها عملية المسح والتوثيق ما يلي:

ــ إن أكبر عدد من القتلى كان بين أبناء المنيا، الذين قتل منهم أكثر من ألف شخص
 بينهم 500 من مركز ملوي
 ومنهم 5 نساء من قرية الروضة التابعة للمركز
ــ وثلاث نساء من قرية نواي،
ذلك بخلاف 27 شخصا من قرية بني وركان مركز العدوة.

ــ من محافظة سوهاج قتل 500 شخص.
وأحد أعضاء الجماعة في أسوان (اسمه عيسى طاهر) تم قتله في عام 1993 عن طريق إلقائه من الطابق السابع لمبنى مديرية الأمن.

ــ في قرية الراوية بمحافظة بني سويف قتلت عناصر أمن الدولة 4 أشقاء تتراوح أعمارهم بين 17و21 سنة هم: عادل يحيى وأحمد يحيى وطه يحيى ويحيى يحيى.

ــ أكبر نسبة إعدامات كانت من بين أبناء محافظة قنا التي نفذ الحكم في 28 من أبنائها.

ــ لأجل الضغط على المتهمين كان ضباط أمن الدولة يحضرون نساءهم ويجبرونهن على طلب الطلاق من أزواجهن. وقد تمت 400 حالة طلاق إجباري من هذا القبيل في أنحاء مصر. بينها 50 حالة في القاهرة والجيزة. والأخيرة وقع فيها 26 طلاقا في حي العمرانية وحده.

ــ حكم على خمس من السيدات بالسجن لمدة تراوحت بين 5 و15 سنة، وقد حكم على السيدة جيهان إبراهيم من حي إمبابة بالجيزة بمدة الـ15 سنة لأنها استضافت في بيتها رجلا كان مطلوبا للأمن ومعه زوجته.

التفاصيل المماثلة لا حصر لها. ولابد أنك لاحظت أنني لم أتحدث عن وسائل التعذيب التي استخدمت، ولم تؤدِ فقط إلى قتل البعض وإصابة البعض الآخر بالأمراض والعاهات المستديمة، وإنما أفقدت آخرين عقولهم.
ولولا الحرج لأوردت أسماء نفر منهم.
وفي شوارع مدينة منفلوط يسير واحد منهم ذاهلا وتائها طول الوقت.

ملف الأهوال أكبر من أن يختزل في الحدود المتاحة للنشر. ولا أعرف متى يمكن أن تجمع هذه المعلومات في كتاب أسود يفضح ممارسات تلك المرحلة البائسة. خصوصا أن الناس اعترفوا بخطئهم وصححوا موقفهم وانتقدوا أنفسهم علنا.

ومن ثم فلا تثريب عليهم إن هم أطلعونا على ما جرى لهم، علما بأن ذلك ضروري، ليس فقط تسجيلا للتاريخ، لكن أيضا لمحاسبة الذين ارتكبوا بحقهم تلك الجرائم، التي أفهم أنها لا تسقط بالتقادم، باعتبارها جرائم ضد الإنسانية. إلا إذا ارتأى البعض أن منسوبي الجماعات الإسلامية مستثنون من أحكام القانون الدولي بهذا الصدد، بدعوى أنهم من طينة أخرى أدنى من البشر العاديين.

سألت الدكتور صفوت عبدالغني، الذي أكمل تعليمه وحصل على الدكتوراه في القانون وهو في السجن، لماذا لا تحتكم إلى القضاء فيما جرى لكم لمحاسبة المسؤولين وتعويض المضرورين،
فقال إن الظرف غير مواتٍ الآن، والمجتمع مشغول بالثورة وبشهدائها وضحاياها، وحين يتم تجاوز هذه المرحلة يمكن بعد ذلك اللجوء إلى القضاء.
وحزبنا (البناء والتنمية) مشغول في الوقت الراهن بإنهاء عملية التوثيق والتدقيق في الوقائع والشهادات، إلى جانب حرصه على المشاركة مع القوى السياسية الأخرى فيما هو مطروح من عناوين المرحلة.

وختم كلامه قائلا إن الحزب يحاول أيضا إزالة آثار سنوات الجمر والدم التي خلت، وبعض أعضائه الناشطين في المجال الاجتماعي يعملون الآن على تجهيز وتزويج 19 واحدة من بنات أعضاء الجماعة الذين قتلوا، ففقدن آباءهن وتيتمن في سن الصغر.
.....................

0 التعليقات:

Blog Archive