ذكرى استشهاد الشيخ أحمد ياسين

الثلاثاء، 22 مارس، 2016

ذكرى استشهاد الشيخ أحمد ياسين

الشيخ أحمد ياسين .. مسيرةُ عطاءٍ وغرسٍ مثمر

كثر هم الشهداء الذين يخطون بدمائهم أروع معاني الصمود والانتصار في وجه المحتل الصهيوني البغيض، لكنهم قلائل من أحدثوا في تاريخ القضية الفلسطينية ومقاومتها الباسلة نقلات نوعية، أهلتهم لأن تكون بصماتهم قواعد أساس لبناء طريق التحرير.

ولأنهم أوجدوا الفكرة فاحتضنتها ألبابهم قبل أجسادهم، وبذلوا الغالي والنفيس واستسهلوا الصعاب وقسوة المتربصين؛ ليخرج غراسهم للنور، معلناً عن ميلاد فجر جديد، لحركة ستؤرق حياة الغاصبين لأرضنا فلسطين، بعد أن ترك الشعب الفلسطيني لسنوات عديدة وحده يجابه آلة البطش الدموية الصهيونية.

هو الشيخ المؤسس أحمد ياسين، رجل الهمة وملهمها لمن حوله، زرع الفكرة الراسخة، والعقيدة الصحيحة، وإلى وقتنا هذا أمة الإسلام وشعب فلسطين يحصدون ثمر غراسه الطيب.

قالوا عنه الشيخ القعيد وما علم البشر أن أمته في زمانه كانت هي القعيدة عن نصرة بلاده فلسطين، أما هو فكان الصحيح بينهم بفكره السليم، وبصيرته الثاقبة وعقله المنير.

ميلاد فارس الأمة
ما إن سطعت شمس الثامن والعشرين من شهر يونيو لعام 1936م، حتى جاء البشير بميلاد الفارس الشيخ أحمد إسماعيل ياسين، ليداعب جسده الطاهر أراضي قرية الجورة المحتلة،
ويشتد عوده بين سهول وسفوح أراضي فلسطين قبل أن يدنس طهرها الغاصبون.

فمع ميلاد الفارس ولدت الثورة الفلسطينية الكبرى 1936م، لتكون أول ثورة مسلحة ضد النفوذ الصهيوني المتزايد داخل الأراضي الفلسطينية وإجراءات الانتداب القمعية ضد الشعب الفلسطيني.

ومنذ صغره كبلته همومه، فتعرض لحادث في أثناء ممارسته للرياضة، شلت جميع أطرافه على إثر هذه الحادثة، لكن تحليه بالمسؤولية، منعه أن يبلغ عائلته أن أحد أصدقاءه هو الذي دفعه وتسبب له بالحادث الأليم.

طالباً للعلم
التحق الشيخ أحمد ياسين بمدرسة الجورة الابتدائية، وواصل الدراسة بها حتى الصف الخامس، لكن النكبة التي ألمت بفلسطين وشردت أهلها عام 1948 لم تستثن الفارس الصغير فقد أجبرته على الهجرة بصحبة أهله إلى غزة،

وهناك تغيرت الأحوال وعانت الأسرة - شأنها شأن معظم المهاجرين آنذاك - مرارة الفقر والجوع والحرمان، فكان يذهب إلى معسكرات الجيش المصري مع بعض أقرانه لأخذ ما يزيد عن حاجة الجنود ليطعموا به أهليهم وذويهم.

 
وترك الشيخ الدراسة لمدة عام 1949 - 1950 ليعين أسرته المكونة من سبعة أفراد عن طريق العمل في أحد مطاعم (الفول) في غزة ثم عاود الدراسة مرة أخرى.

وبعد إصابته بالشلل كرس الشيخ الشهيد أحمد ياسين شبابه لطلب العلوم الإسلامية، حيث درس في جامعة الأزهر في القاهرة.

 
فكانت القاهرة هي المكان الذي تشكل فيه إيمان الشيخ أحمد ياسين بأن فلسطين أرض إسلامية حتى يوم القيامة، وليس لأي زعيم عربي الحق في التخلي عن أي جزء من هذه الأرض.

 
ورغم تعرضه إلى شلل شبه كامل في جسده تطور لاحقاً إلى شلل كامل إلا أنه لم يثنه الشلل عن مواصلة تعليمه وصولاً إلى العمل مدرساً للغة العربية والتربية الإسلامية في مدارس وكالة الغوث بقطاع غزة.

في طريق الدعوة
كان الشيخ ياسين داعياً إسلامياً ومتحدثاً وخطيباً، فكان يمارس الدّعوة في محيط عمله- المدرسة التي كان يعمل بها-، فكان يتأخّر ببعض الطلاب بُعيد انقضاء الدراسة، يعلّمهم الصلاة والآداب، وتلاوة القرآن.

كان شعار الشيخ دائماً في تربية الجيل هو (نحن واليهود في صراع على هذا الجيل، فإما أن يأخذه اليهود منا، أو ننقذه من أيدي اليهود(

فأسس الشيخ أحمد ياسين عام 1987م، هو ومجموعة من قادة العمل الإسلامي من جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة، تنظيم إسلامي لمحاربة العدو الصهيوني بغية تحرير فلسطين، أطلق عليه اسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس(

وكان للحركة دور مهم في الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت آنذاك والتي اشتهرت بانتفاضة المساجد، ومنذ ذلك الوقت وأحمد ياسين اعتبر الزعيم الروحي لتلك الحركة.

 
وفي العام 1984 اعتقل الاحتلال الشيخ أحمد ياسين، فحكم عليه بثلاثة عشر عاماً، لكنه خرج بعد إحدى عشر شهراً في عملية تبادل أسرى.

 
وبعد عامين من خروجه من السجن (1987م)، كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وظهرت حماس لتعلن في بيانها الأول أن فلسطين أرض وقف إسلامية لا يمكن تقاسمها مع اليهود، وبدأت العمليات ضد الكيان، فتوجهت الأنظار إلى الشيخ الشهيد أحمد ياسين كمؤسس للمقاومة الإسلامية.

 
ففي 18 مايو عام 1989 اعتقلت قوات الاحتلال الشيخ أحمد ياسين ظانة أنها بذلك تخفي شمس تأثيره،
وبعد 29 شهراً من الاعتقال كانت المحاكمة 16 أكتوبر عام 1991 حيث حكم عليه بالسجن مدى الحياة إضافة إلى 15 عاماً أخرى بتهمة التحريض على اختطاف وقتل جنود الاحتلال وتأسيس حركة حماس وجهازيها العسكري والأمني

وبحلول العام 1997م، تم الإفراج عنه بموجب اتفاقٍ تم التوصل إليه بين الأردن والكيان الصهيوني على إثر العملية الفاشلة التي قام بها عملاء (الموساد) في الأردن، والتي استهدفت القائد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في محاولة لاغتياله.

ليخرج من سجون الاحتلال أشد بأساً على أعداء الله، ليعلن أمام الجميع أن طريق تحرير فلسطين هو واحد لا بديل عنه ألا وهو الجهاد، وتستقبله جماهير فلسطين بملعب اليرموك بحفاوة شديدة.

وقد كان الشيخ حانياً على أهالي الشهداء والأيتام والمعوزين، فلم يكن يرد طلب أي منهم، لتكون مؤسسات حركته هي الراعية الأولى للأيتام ولأصحاب الحاجة من الشعب الفلسطيني.

ظلم ذوي القربى
تابع الشيخ الياسين عمله الجهادي وتخريج المقاتلين وقد أظهر الكثير من ضبط النفس وتوحيد الصف حيال الفصائل الفلسطينية وخصوصاً حركة فتح،
ورغم الأذى الذي تلقته حركته من السلطة الفلسطينية وأجهزة أمنها ووصل الأمر لفرض الإقامة الجبرية عليه وقطع الاتصالات عن مقر إقامته المتواضع، وإغلاق الجمعيات الخيرية، وتعذيب قادة الحركة واعتقال المجاهدين.

فقد عمل الشيخ الشهيد أحمد ياسين على إعادة تنظيم صفوف حركة حماس من جديد عقب تفكيك بنى الحركة من قبل أجهزة أمن السلطة عام 1996م.

وكان الشيخ الياسين دائم الترديد لمقولة الإمام حسن البنا: «سنقاتل الناس بالحب» حيث لا مجال لاستخدام السلاح في الداخل الفلسطيني

حتى أن الشيخ ياسين أنشد داخل المعتقل للوحدة بين أطياف الشعب أبيات قال فيها:
هي الأوطان نحميها بسـيف        ولا عزَ لـها دون اتفاق
توحَــد صفنـا أبـداً بعزم        ولا صف يوجد بالشقاق

رحيل القائد المؤسس
حاول الاحتلال في سبتمبر من العام 2003 م، اغتياله بينما كان في أحد المنازل بغزة هو وعدد من قادة الحركة إلا أن المحاولة باءت بالفشل ونجا الشيخ بأعجوبة.

وفي يوم الاثنين غرة صفر 1425هـ الموافق 22 مارس عام 2004م،
 قامت طائرات الاحتلال بإطلاق عدة صواريخ استهدفت الشيخ أحمد ياسين بينما كان عائداً من أداء صلاة الفجر في مسجد المجمع القريب من منزله في حي الصبرة بغزة، في عملية أشرف عليها رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك (أرئيل شارون(

 
فاستشهد الشيخ المؤسس أحمد ياسين في لحظتها، واستشهد معه سبعة من مرافقيه، وقد تناثرت أجزاء الكرسي المتحرك الذي كان يتنقل عليه الياسين في أرجاء مكان الاستهداف الذي امتلأ بدمائه ودماء مرافقيه خارج المسجد.

كرامة الرحيل
كرامة الرحيل شهيداً للشيخ كانت الأسبق من الوفاة الطبيعية، حيث أن الأطباء توقعوا وفاته الطبيعية قبل حوالي 36 ساعة على اغتياله، فقد سقط الشيخ ياسين ليل السبت عن كرسيه المتحرك بعد إصابته بالتهاب رئوي حاد، نجم عنه عجز عن الكلام وضيق شديد في التنفس وحشرجة وصفير في الصدر.
ونقل على الفور إلى مستشفى دار الشفاء، وأخرج من المستشفى بعد العلاج رغم عدم تحسن صحته خوفاً على حياته بعد تهديدات الاحتلال.

وعندما زف خبر الشهادة للأمة العربية والإسلامية وللشعب الفلسطيني، خرجت المسيرات الشعبية في كافة البلدان العربية والإسلامية،
أما في القطاع فكان الوداع المهيب لرجل أحيا إرادة المواجهة من جديد، ليلتف حوله المحبون يوارونه الثرى لمثواه الأخير.

فرح العدو باستشهاد الشيخ المؤسس ولم يدركوا أن الشيخ قد أعد جيلاً سيسوؤهم سوء العذاب، وترك خلفه رجالاً صدقوا وعده للأسرى بتحريرهم، رحل الشيخ وترك جيشاً أرهب الكيان المسخ وهزم أسطورة جيشهم وأذلهم بغزة المرة تلو الأخرى.

نم قرير العين أيها البطل الأشم فلا الكلام يفيك حقك وأنت الصادق المخلص، فلله درك قد بنيت فأحسنت البناء، واليوم يقطف الشعب الفلسطيني ثمرة غرسك الطاهر المكين، رجال بأسهم على عدوهم، لا يخافون في الله لومة لائم.

................

0 التعليقات:

Blog Archive